دمشق-سانا
تتجه أسواق السلع العالمية نحو مرحلة جديدة من الضغوط السعرية، مع اتساع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على إمدادات الطاقة والتجارة، وتزايد المخاطر التي تواجه الإنتاج الزراعي بفعل اضطرابات الشحن والتغيرات المناخية، في وقت تستعد فيه شركات عالمية لرفع أسعار منتجاتها مجدداً خلال عام 2027، وسط تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وتكشف توقعات البنك الدولي، الصادرة في 28 تشرين الأول الماضي، عن اتساع نطاق الصدمة التي تتعرض لها الأسواق، إذ يرجح ارتفاع أسعار السلع الأولية بنسبة 23 بالمئة خلال عام 2026، مدفوعة بزيادة أسعار الطاقة بنسبة 32 بالمئة، في انعكاس لتداعيات الصراع في الشرق الأوسط واستنزاف مخزونات النفط العالمية، وفق تقرير “آفاق أسواق السلع الأولية” الصادر عن البنك.
ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على أسواق النفط ومشتقاته، بل تمتد إلى الغذاء والأسمدة والمعادن، ما يضع الاقتصادات المستوردة للسلع الأساسية أمام تحديات إضافية تتعلق بارتفاع تكاليف الإنتاج والتضخم وتأمين احتياجات الأسواق.
الطاقة.. نقطة انطلاق موجة التضخم
يرجح البنك الدولي ارتفاع متوسط سعر خام برنت إلى 91 دولاراً للبرميل خلال العام الجاري، مقارنة بـ69 دولاراً في عام 2025، قبل أن يتراجع إلى 79 دولاراً في عام 2027، مع افتراض عدم حدوث تصعيد كبير في النزاعات التي تؤثر على إمدادات السلع العالمية.
ويأتي هذا التحول بعد ثلاثة أعوام من انخفاض أسعار الطاقة، فيما يتوقع البنك تراجع المعروض العالمي من النفط بنسبة 5.2 بالمئة خلال عام 2026، وهو أكبر انخفاض منذ أكثر من أربعة عقود، باستثناء فترة الركود العالمي عام 2020.
وفي المقابل، يرجح انخفاض الاستهلاك العالمي للنفط بنسبة 2.5 بالمئة، في ثالث أكبر انكماش سنوي مسجل بعد عامي 2020 و1980، نتيجة تأثير ارتفاع الأسعار في الطلب، إلى جانب التوسع في استخدام الكهرباء، ولا سيما في الصين.
ولا يعني تراجع الاستهلاك بالضرورة انحسار الضغوط على الأسواق، إذ يشير البنك إلى أن الإنتاج سيظل دون الاستهلاك، ما يفرض مزيداً من السحب من المخزونات النفطية، ويجعل الأسواق أكثر عرضة لاضطرابات جديدة في الإمدادات.
وتحذر التقديرات من أن تصاعد الصراع في الشرق الأوسط واستمرار الأضرار التي تطال البنية التحتية النفطية الروسية قد يدفعان الأسعار إلى مستويات أعلى من التوقعات الأساسية، مرجحة أن يبلغ متوسط سعر برنت 105 دولارات للبرميل في سيناريو سلبي تتفاقم فيه المخاطر.
وترى الباحثة والخبيرة في السياسة الاقتصادية إيناس عابورة، في حديث لـ سانا، أن العالم يواجه احتمال موجة تضخمية جديدة، لا تقتصر خطورتها على ارتفاع أسعار الطاقة، بل تكمن في انتقال هذه الزيادة إلى كامل منظومة الإنتاج والتوريد، وخصوصاً إذا تزامنت مع استمرار الحروب والتوترات الجيوسياسية واضطراب إمدادات النفط والغاز وخطوط الملاحة الدولية.
وأوضحت عابورة أن ارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود المستخدمين في المصانع، وزيادة أسعار الأسمدة والري، وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتخزين والتوزيع، تشكل قنوات أساسية لانتقال الضغوط السعرية إلى المستهلكين، مشيرة إلى أن سرعة هذا الانتقال وحجمه يتوقفان على المخزونات والعقود السابقة وأسعار صرف العملات ومستوى المنافسة في الأسواق.
الغذاء.. تداعيات تتجاوز أسعار النفط
وتمتد آثار ارتفاع أسعار الطاقة إلى القطاع الزراعي، مع زيادة تكاليف الوقود والأسمدة والنقل، بالتزامن مع اضطراب شحنات الحبوب ومخاطر ظاهرة “إل نينيو”، التي تتمثل في ارتفاع غير معتاد لدرجات حرارة سطح المياه في المحيط الهادئ الاستوائي، وتؤثر في أنماط الطقس العالمية، بما قد يؤدي إلى موجات جفاف أو فيضانات واضطرابات في الإنتاج الزراعي بمناطق مختلفة من العالم.
ويتوقع البنك الدولي ارتفاع أسعار السلع الغذائية بنحو 10 بالمئة خلال عام 2026، و7 بالمئة إضافية في عام 2027، بزيادة تراكمية تبلغ 18 بالمئة خلال العامين، بينما يرجح ارتفاع أسعار الأسمدة بنسبة 14 بالمئة هذا العام، بعد الزيادة الحادة التي شهدتها أسعار اليوريا في بدايته.
وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد الغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الأسمدة والطاقة والشحن إلى زيادة الأعباء على المزارعين، قبل أن تنعكس تدريجياً على أسعار المنتجات النهائية.
ويحذر البنك من أن تزامن ارتفاع أسعار الطاقة أكثر من المتوقع، مع تعطل شحنات الحبوب في البحر الأسود وظاهرة “إل نينيو” شديدة القوة، قد يقود إلى أزمة غذائية تدفع مزيداً من السكان نحو الفقر المدقع.
وفي هذا السيناريو، قد ترتفع أسعار السلع الغذائية بنسبة 12 بالمئة فوق المستوى المتوقع في التقديرات الأساسية، لتتجاوز مستوياتها المسجلة عام 2022.
وأشارت عابورة إلى أن التأثيرات المحتملة لهذه التطورات قد تكون أشد في سوريا، نتيجة الاعتماد على الاستيراد ومحدودية الإنتاج المحلي وهشاشة البنية التحتية للطاقة، فضلاً عن تحديات سعر الصرف والقدرة الشرائية، لافتة إلى أن تحسن الظروف السياسية والاقتصادية وفتح قنوات التجارة والاستثمار قد يخفف بعض الضغوط، لكنه لن يلغي التأثر بالأسعار العالمية.
الشركات تستعد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين
وتتزامن توقعات البنك الدولي مع مؤشرات متزايدة على انتقال الضغوط من أسواق المواد الأولية إلى أسعار السلع الاستهلاكية، بعدما حذرت شركات عالمية من احتمال إقرار زيادات جديدة في أسعار منتجاتها خلال العام المقبل.
ونقلت وكالة رويترز عن شركة يونيليفر البريطانية، الأربعاء 28 تشرين الأول، أن زيادات الأسعار خلال عام 2027 ستكون أعلى من متوسط الزيادات المسجلة في عام 2026، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة والشحن المرتبطة بالحرب.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة فرناندو فرنانديز: إن المجموعة تتوقع تسارع وتيرة رفع الأسعار خلال الربع الأخير من العام الجاري والعام المقبل، مع استمرار الموازنة بين تعويض ارتفاع التكاليف والحفاظ على حجم المبيعات.
وأشارت رويترز أيضاً إلى أن شركات كوكاكولا وبروكتر آند غامبل ونستله وريكيت تواجه ضغوطاً مماثلة، مع ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، رغم استمرار حذر المستهلكين في الإنفاق بعد موجات الغلاء السابقة.
وتواجه هذه الشركات معادلة صعبة، تتمثل في تمرير جزء من التكاليف الإضافية إلى المستهلكين من دون التسبب في تراجع أكبر في الطلب، ولا سيما أن قطاعات واسعة من الأسر اتجهت خلال السنوات الماضية إلى المنتجات الأقل سعراً والعلامات التجارية الخاصة بالمتاجر.
وأوضحت عابورة أن قدرة الشركات على تمرير الزيادات لم تعد مطلقة، بل باتت مقيدة بتراجع القدرة الشرائية واشتداد المنافسة وتغير أنماط الاستهلاك، إذ قد تلجأ إلى تقديم أحجام أصغر أو عروض ترويجية أو منتجات اقتصادية، بدلاً من رفع الأسعار بصورة مباشرة.
وأضافت أن استمرار تحميل المستهلكين التكاليف المتزايدة قد يؤدي إلى تراجع الاستهلاك، وخصوصاً لدى الأسر محدودة ومتوسطة الدخل، بما ينعكس على مبيعات الشركات، ثم على الإنتاج والاستثمار والتوظيف، محذرة من مخاطر التضخم المصحوب بتباطؤ النمو، في حال تزامن ارتفاع الأسعار مع ضعف الطلب والنشاط الاقتصادي.
ولا يعني تراجع أسعار النفط المتوقع في عام 2027 بالضرورة انخفاض أسعار السلع الاستهلاكية بالوتيرة نفسها، إذ أوضحت عابورة أن الشركات تحتاج إلى وقت قبل أن ينعكس انخفاض النفط على تكاليف الإنتاج، بسبب العقود طويلة الأجل والمخزونات التي جرى شراؤها بأسعار مرتفعة، فضلاً عن استمرار تكاليف الشحن والتأمين والمواد الخام والتمويل.
وحذرت الخبيرة الاقتصادية من أن التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما المخاطر التي تواجه مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، قد تزيد الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، وترفع تكاليف التأمين والشحن، فضلاً عن اضطراب سلاسل الإمداد، ما يجعل مسار الأسعار العالمية خلال العام المقبل مرتبطاً بتطورات الأوضاع الجيوسياسية، إلى جانب قدرة الشركات والأسواق على استيعاب التكاليف المتزايدة.
وتضع هذه التوترات الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد، في ظل استمرار اضطرابات الطاقة والتجارة وارتفاع تكاليف الإنتاج، إذ لا تضمن أي تراجعات محتملة في أسعار النفط انحسار موجة الغلاء بالوتيرة نفسها، مع بقاء تكاليف الشحن والتأمين والمواد الخام مرتفعة، واستمرار المخاطر الجيوسياسية التي تهدد سلاسل الإمداد.
ويظل مسار التضخم خلال عام 2027 مرهوناً بتطورات الأسواق وقدرتها على تجاوز الصدمات المتراكمة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، وتتراجع فيه هوامش الشركات للموازنة بين تكاليف الإنتاج وحجم الطلب، ما يضع النمو الاقتصادي ومستويات المعيشة أمام تحديات إضافية.