دمشق-سانا
يضع القصف الأردني لريف درعا، وما أسفر عنه من ضحايا مدنيين، العلاقات السورية الأردنية أمام اختبار جدي يتعلق باحترام السيادة وآليات التنسيق الأمني بين البلدين الشقيقين.
ويأتي هذا التطور في وقت يسعى فيه الطرفان إلى توسيع تعاونهما السياسي والاقتصادي، الذي شهد قفزة نوعية وبلغ التبادل التجاري فيه 330 مليون دولار.
أكاديمي أردني: سوريا عمقنا الاستراتيجي والحوار طريق وحيد
وفي قراءة لأبعاد هذا التطور وتأثيره على مسار العلاقات الثنائية، أكد أستاذ الدراسات السياسية والاستراتيجية في الأردن عصام ملكاوي، أن العلاقات السورية الأردنية تقوم على اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، تجعل استقرار البلدين مترابطاً بشكل وثيق.
وشدد ملكاوي في حديثه لـ سانا، على الأهمية الحيوية لدمشق بالنسبة لعمان، معتبراً أن جنوب سوريا يمثل عمقاً أمنياً مباشراً للأردن.
وأشار إلى أن معالجة تداعيات الغارات تستدعي مراعاة متطلبات الأمن الأردني، وبذات الوقت، حق سوريا الكامل في حماية سيادتها والتحقق من سقوط ضحايا مدنيين، مؤكداً أن الحوار المباشر والتنسيق الأمني هما السبيل الوحيد لاحتواء الخلافات ومنع تحولها إلى أزمة أوسع.
تنسيق سياسي وأمني لمعالجة التداعيات
وفي إطار التحركات العاجلة لمعالجة تداعيات الغارات، اتفق وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، خلال اتصال هاتفي، الأربعاء 28 تشرين الأول الجاري، على تشكيل لجنة أمنية مشتركة للتحقق من تفاصيل العمليات وتداعياتها، وتطوير التنسيق الميداني والاستخباري.
وأكد الوزيران، وفق بيان مشترك، عمق العلاقات الأخوية والحرص على تعزيزها بالحوار المسؤول؛ إذ شدد الصفدي على احترام الأردن سيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها واستقرارها، معرباً عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين ومقدماً التعازي للشعب السوري.
في حين أكد الجانبان أن مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح عبر الحدود تتطلب تنسيقا مؤسسياً مستداماً.
الشيباني: لا تفريط بدم السوري تحت أي ذريعة

وأكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، خلال تقديمه واجب العزاء لذوي ضحايا الغارات الأردنية في ريف درعا، أن “دم السوري لا يمكن التفريط به تحت أي ذريعة”، مشيراً إلى أن “درعا بلد الثورة والثوار، وأن السوريين سيذكرون على مدى عقود كيف انطلقت منها الثورة، وكيف تكسرت على أرضها محاولات التقسيم والتدخل الخارجي”.
وفي هذا السياق، شدد الخبير والباحث الأمني السوري باسل صنيب، على أن مواجهة التهديدات الإرهابية والجرائم العابرة للحدود حق مشروع، لكن ممارسته ينبغي أن تتم بالتنسيق الكامل مع المؤسسات السورية المختصة، مع الالتزام المطلق بالقانون الدولي وقواعد حماية المدنيين.
وأكد صنيب على أهمية وجود تحقيق مؤسسي مشترك وشفاف لتحديد ملابسات الغارات والمسؤوليات المترتبة عليها، وإنصاف المتضررين وضمان عدم تكرار الحادثة، معتبرا أن الخلاف بشأن التنسيق المسبق ونتائج العمليات يستوجب التحقق من الوقائع والأدلة بعيداً عن الاتهامات المتبادلة.
من المستفيد من التوتر؟
تزامن القصف مع الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 تشرين الأول الجاري، يضيف بعداً إقليمياً إلى الأزمة، ويطرح تساؤلات بشأن الجهات التي قد تستفيد من تراجع التنسيق بين دمشق وعمان.
ويرى ملكاوي أن استمرار التوتر قد يخدم المصالح الإسرائيلية، إذا استخدم لإبراز جنوب سوريا باعتباره منطقة غير مستقرة، ولتعزيز الحجج الأمنية التي تطرحها إسرائيل لتبرير استمرار سيطرتها على مواقع داخل الأراضي السورية.
من جانبه، حذر صنيب من استغلال الحادثة لإضعاف العلاقات السورية الأردنية، مشيراً إلى أن تراجع التنسيق قد يخدم أطرافاً إقليمية تسعى إلى الحد من استقرار سوريا.
كما حذر من توظيف الحادثة على وسائل التواصل الاجتماعي لإثارة الفتنة والإساءة إلى الشعب الأردني، داعياً إلى التمييز بين المطالبة المشروعة بمحاسبة المسؤولين وخطاب التحريض الذي يستهدف العلاقات بين الشعبين.
مسار تصاعدي للعلاقات.. لقاءات قمة ولجان تنسيق
لا يمكن فصل التعامل مع تداعيات درعا عن مسار أوسع متعلق بأخذ تطوير العلاقات السورية الأردنية منذ كانون الأول 2024 وحتى الآن بعين الاعتبار.
فقد مرت هذه العلاقات بمحطات تطور بارزة، منها لقاء الرئيس أحمد الشرع مع الملك عبد الله الثاني في عمان 26 شباط 2025، وزيارة الصفدي لدمشق في 17 نيسان من العام نفسه.
وفي 20 أيار 2025، تم توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني، بهدف تنظيم التعاون ومتابعة الملفات المشتركة على المستوى الوزاري والمؤسساتي.
وتواصلت اللقاءات خلال عام 2026، حيث استقبل الرئيس الشرع ووزير الخارجية الشيباني في 12 آذار وفداً أردنياً رفيع المستوى برئاسة الصفدي، لبحث التعاون الأمني والاقتصادي.
وفي 9 أيلول، تناولت مباحثات الرئيس الشرع مع الصفدي والشيباني التحضير للدورة الثالثة لمجلس التنسيق الأعلى.
وفي 22 تشرين الأول الجاري، عقد الشيباني مباحثات مع الملك عبد الله الثاني والصفدي في العقبة، حيث تم التأكيد على توسيع الشراكة الاستراتيجية، ودعم سيادة سوريا ورفض الاعتداءات الإسرائيلية على أراضيها.
شراكة اقتصادية ومشروعات حيوية
على الصعيد الاقتصادي، حققت العلاقات قفزة كبيرة، حيث أعلنت وزارة الخارجية السورية في أيلول الماضي عن بلوغ حجم التبادل التجاري 330 مليون دولار، بزيادة بلغت ثلاثة أضعاف.
ويشمل التعاون مشروعات استراتيجية مثل تدفق الغاز الأردني عبر خط الغاز العربي، والربط الكهربائي، وتطوير التعاون المائي في حوض اليرموك، وتحديث خدمات النقل الترانزيت، وإحياء الخط الحديدي الحجازي، وتعزيز الربط الرقمي.
وفي إطار المتابعة، عقد مجلس التنسيق الأعلى دورته الثانية في عمان في 12 نيسان 2026، وتقرر عقد دورته الثالثة في دمشق يومي 8 و9 تشرين الثاني المقبل لمتابعة تنفيذ التفاهمات.
وكان مسؤولون من الوزارات والهيئات المعنية في البلدين قد عقدوا اجتماعاً تنسيقياً بدمشق في 24 أيلول الماضي لمراجعة تقدم المشروعات، وتسهيل دخول المستثمرين السوريين عبر معبر جابر وإصلاح خط الربط الكهربائي وتطوير التعاون المائي والنقل.
جنوب سوريا وعودة اللاجئين..ملفات مشتركة
وامتد التنسيق السياسي ليشمل متابعة التطورات في جنوب سوريا، وتحديداً في السويداء، حيث أعلنت في دمشق في 16 أيلول 2025 خارطة طريق لمعالجة الأزمة، مع التأكيد أن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا.
كما يشكل ملف اللاجئين جانباً إنسانياً أساسياً في العلاقات الثنائية، وقد أعلنت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في الأردن في حزيران 2026 عودة نحو 220 ألف لاجئ سوري طوعاً إلى بلادهم منذ كانون الأول 2024، فيما كان الأردن قد أعلن في آذار 2025 إعفاء أمتعة وأثاث العائدين طوعاً من الرسوم الجمركية لتسهيل عودتهم.
وتظهر هذه الملفات المتشعبة عمق واتساع المصالح المشتركة بين البلدين الشقيقين، وهو ما يبرز أهمية اللجنة الأمنية المشتركة كمدخل لتحويل الخلاف الراهن إلى مسار مؤسسي يعالج الأسباب ويحمي المدنيين، دون التفريط بالسيادة الوطنية أو بالمصالح الاستراتيجية المشتركة.