دمشق-سانا
في منطقة تتسع فيها بؤر التوتر وتتداخل فيها التهديدات العسكرية مع أمن الدول والممرات الإستراتيجية، يدخل “حلف مكة” مرحلة جديدة تختبر قدرته على ترجمة التوافق السياسي والتنسيق العسكري إلى منظومة ردع جماعي قابلة للتفعيل.
فالاتفاق الذي جاء ثمرة مسار طويل من المشاورات بين السعودية وتركيا وباكستان، يواجه اليوم أول استحقاق عملي في بيئة إقليمية مضطربة، ليطرح التفعيل الفوري سؤالاً يتجاوز حجم القوات المنتشرة إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه المنظومة الجديدة في منع التهديدات والتعامل معها، وصولاً إلى الإسهام في خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
ولم يعد “حلف مكة” مجرد إطار للتنسيق السياسي والأمني بين السعودية وتركيا وباكستان، مع دخول التزامات الدفاع الجماعي حيز التنفيذ الفوري، في خطوة تضع الاتفاق أمام اختبار عملي في منطقة تتسارع فيها المخاطر الأمنية وتتسع فيها ساحات التوتر.
وجاء قرار التفعيل عقب الاجتماع الاستثنائي للجنة السياسية والإستراتيجية والدفاعية المنبثقة عن الحلف في الرياض، في ظل تصاعد الهجمات على السعودية ومحاولات استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما رافقها من تهديدات للبنى التحتية المدنية والاقتصادية.
ونص البيان المشترك على توفير القوات والقدرات العسكرية ونشرها سريعاً في السعودية، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية للدول الأطراف، مع التأكيد أن أمن كل طرف جزء لا يتجزأ من الأمن الجماعي.
مسار طويل.. وتفعيل محسوب
ويرى الكاتب والصحافي السعودي جاسر الجاسر في حديث لـ”سانا” أن الحلف هو نتاج مشاورات وتنسيق استمرا أكثر من عامين، ويستند إلى تعاون عسكري متعدد بين الدول الثلاث، معتبراً أن إعلانه يجسد توافق رؤيتها بشأن الإسهام في استقرار المنطقة وتجنيبها التهديدات والتوترات، عبر إنشاء منظومة ردع متينة ومتماسكة قادرة على التصدي لأي اعتداء بقوة وفاعلية.
وأشار الجاسر إلى أن توقيت التوقيع، في ظل تصاعد نذر الحرب في المنطقة، يعكس إدراك الدول الثلاث لطبيعة المخاطر والاستعداد لها، ولذلك فإن الانتقال إلى التنفيذ الفوري، وفق رأيه، يأتي محصلة طبيعية لمواقف ثابتة وجاهزية وتناغم في التعامل مع المخاطر المحتملة، وليس تحولاً طارئاً فرضته التطورات الأخيرة.
التفعيل لا يعني شكلاً واحداً للاستجابة
ويفتح قرار توفير القوات والقدرات العسكرية الباب أمام مرحلة جديدة في عمل الحلف، إلا أن طبيعة المشاركة لا تبدو محكومة بنمط عسكري واحد، إذ ترتبط وفق الجاسر بالطلب وتحديد نطاقه ومتطلباته.
وأوضح أن التفعيل يعكس جدية الحلف وثبات الالتزام بين أطرافه، مشيراً إلى أن تفاصيل التفعيل الفنية يحددها المختصون وفق طبيعة التهديد ومتطلبات الاستجابة، وأن الحلف يحمل رسالة ردع تجاه محاولات التصعيد القائمة، ولا سيما من إيران وأذرعها.
وأكد الجاسر أن العلاقات العسكرية السعودية الباكستانية تمتد لعقود طويلة، فيما تطورت خلال السنوات الماضية أوجه التعاون العسكري بين السعودية وتركيا، بما في ذلك توطين صناعة الأسلحة.
وفي جوهره، يشير إلى أن الحلف دفاعي وأدواته دفاعية بالدرجة الأولى، فيما تشكل قوة الردع هدفاً أساسياً له، موضحاً أن الاستجابة العسكرية تكون بحسب الطلب ونطاقه ومتطلباته، مع بقاء الالتزام الأساسي قائماً وهو أن أي اعتداء مسلح على دولة عضو هو اعتداء على أطراف الحلف، وأمن أحد الأطراف هو من أمن الجميع.
منظومة إقليمية تتجاوز حدود اللحظة
ولا يحصر الجاسر دلالات الحلف في التصعيد الراهن، بل يراه إطاراً يمكن أن يسهم في سد ثغرات أمنية في المنطقة، وبناء قدرات مشتركة تتيح للدول الثلاث إدارة الملفات ذات الصلة باستقرارها اعتماداً على إمكاناتها وأدوارها السياسية والعسكرية.
وفي هذا السياق، يضع التصعيد الذي تقوده ميليشيا الحوثي، وما يرتبط به من تهديدات للأراضي السعودية والممرات البحرية، الحلف أمام أول اختبار فعلي لقدرته على ترجمة مبدأ الأمن الجماعي إلى إجراءات عملية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انخراط جميع أطرافه بالطريقة العسكرية ذاتها.
ويعتقد الجاسر أن أثر الحلف سيتبلور خلال المرحلة المقبلة من خلال دوره في تعزيز الاستقرار في المناطق المشتعلة، والعمل المشترك على خفض التصعيد وتجنيب المنطقة مآسي الحروب.
وبذلك، فإن أهمية “حلف مكة” في مرحلته الجديدة لا تقاس فقط بما إذا كان سيشهد انتشاراً عسكرياً واسعاً، وإنما بقدرته على تحويل الالتزام الجماعي إلى ردع فعلي ومتدرج، تكون أدواته قابلة للتفعيل وفق طبيعة كل تهديد، مع بقاء الرسالة الأساسية واحدة وهي أن أمن أي طرف هو جزء من أمن المنظومة بأكملها.