واشنطن-سانا
أفرزت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي تحولاً سياسياً مهماً في موازين القوى داخل واشنطن، مع استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحد للحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب، الذي بات يواجه رقابة تشريعية أكثر تشدداً على سياساته الداخلية وبرنامجه السياسي، غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع نفوذ الإدارة الأمريكية على الساحة الدولية، حيث لا يزال ترامب يمتلك صلاحيات واسعة للتحرك في ملفات السياسة الخارجية والعمليات العسكرية.
وتضع النتائج الجديدة ترامب أمام عامين أخيرين من ولايته الثانية في ظل كونغرس معارض، بما يفتح الباب أمام مواجهات سياسية وتشريعية بشأن الموازنة والإنفاق والسياسات الاقتصادية، فضلاً عن ملفات الحرب الامريكية الإسرائيلية – الإيرانية، والحرب الروسية الأوكرانية والعلاقات مع إسرائيل، إلا أن قدرة الديمقراطيين على فرض تغيير جذري في توجهات السياسة الخارجية ستظل محدودة بفعل الصلاحيات التنفيذية الواسعة التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي.
صلاحيات واسعة رغم خسارة الأغلبية
ويستند هامش الحركة الذي يتمتع به ترامب حسب وكالة رويترز إلى طبيعة النظام الدستوري الأمريكي، الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة في إدارة العلاقات الخارجية وقيادة القوات المسلحة، مقابل احتفاظ الكونغرس بسلطات إعلان الحرب وتمويل القوات والعمليات العسكرية وإقرار الموازنات.
وفي هذا السياق، نقلت الوكالة عن ويليام ويكسلر، المدير الأول لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي، قوله: إن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمنحهم قدرة كبيرة على تعطيل أجندة ترامب التشريعية الداخلية، لكنها لا توفر لهم أدوات مماثلة لمنع الرئيس من ممارسة صلاحياته بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة.
ومن المتوقع أن يستخدم الديمقراطيون أدوات الرقابة والتحقيق وجلسات الاستماع، إلى جانب صلاحيات التمويل والمصادقة على التعيينات، للضغط على الإدارة ومساءلتها بشأن قراراتها الخارجية، إلا أن هذه الأدوات لا تضمن بالضرورة تغيير مسار السياسات التي يتبناها البيت الأبيض.
ويكتسب هذا التباين أهمية إضافية مع اقتراب ترامب من نهاية ولايته الرئاسية، إذ غالباً ما يتجه الرؤساء الأمريكيون في مراحل ولاياتهم الأخيرة إلى التركيز على السياسة الخارجية، باعتبارها مجالاً أوسع لترسيخ إرثهم السياسي، ولا سيما عندما تتراجع قدرتهم على تمرير برامجهم الداخلية.
إيران.. الاختبار الأكثر إلحاحاً
وتتصدر الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية قائمة الملفات التي ستختبر قدرة الكونغرس الجديد على التأثير في قرارات ترامب، بعدما أقر الرئيس الأمريكي بأن الحرب أسهمت في خسارة حزبه الانتخابات، في ظل انعكاساتها الاقتصادية وارتفاع أسعار الوقود وتراجع شعبيته.
وبينما يصر ترامب على أن العمليات العسكرية كانت ضرورية لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تواجه إدارته خيارات صعبة بين استئناف الضربات العسكرية أو العودة إلى المسار التفاوضي أو الإبقاء على حالة الجمود والتوتر القائمة، وما يرافقها من تداعيات على أسواق الطاقة وأمن المنطقة.
وفي هذا الإطار، أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر أن حزبه سيعمل على إنهاء الحرب، متهماً الإدارة الأمريكية بإضعاف دور الكونغرس في القرارات المتعلقة بالحرب والسلم.
كما أبدى نائب الرئيس جيه دي فانس بحسب وكالة “أسوشيتد برس” تحفظات على كلفة الحرب ونتائجها، متسائلاً عن جدواها، في موقف يعكس اتساع التباينات داخل المعسكر الجمهوري نفسه، ولا سيما بين التيار الذي يطالب بتقليص التدخلات الخارجية والاتجاه الأكثر تشدداً في التعامل مع إيران.
ويرى خبراء أن أي تصعيد عسكري جديد قد يزيد الضغوط الاقتصادية على الإدارة، من دون أن يوفر بالضرورة مساراً واضحاً لتحقيق أهدافها، فضلاً عن احتمال تعميق الانقسامات داخل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”، التي يستند جزء من قاعدتها الشعبية إلى وعود ترامب بتجنب الحروب والتدخلات الخارجية.
أوكرانيا وأوروبا وإسرائيل.. ضغوط على التحالفات التقليدية
وبحسب “رويترز”، لا تقتصر تداعيات التحول في الكونغرس على الشرق الأوسط، إذ يتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى إعادة تنشيط الدعم الأمريكي لأوكرانيا، والحد من الضغوط التي مارسها ترامب على كييف، بالتوازي مع محاولة إعادة ترميم العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين وكندا، التي تأثرت بسياسات الرسوم الجمركية والخلافات بشأن الالتزامات الأمنية.
ويأمل الديمقراطيون في استقطاب عدد من الجمهوريين لدعم حزم مساعدات جديدة لأوكرانيا، وتشكيل أغلبية تشريعية قادرة على مواجهة اعتراضات البيت الأبيض، رغم أن استخدام ترامب حق النقض الرئاسي قد يعرقل تمرير أي تشريعات لا تحظى بتوافق واسع.
كما يواجه موقف الإدارة الأمريكية من إسرائيل ضغوطاً متزايدة، في ظل صعود تيارات داخل الحزب الديمقراطي تدعو إلى وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لها، على خلفية الحرب على قطاع غزة وسياسات حكومة بنيامين نتنياهو، فضلاً عن تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
ولا تقتصر المؤشرات على الجانب الديمقراطي، إذ بدأت أصوات داخل الحزب الجمهوري نفسه تطرح تساؤلات بشأن استمرار الدعم التقليدي غير المشروط لإسرائيل، ما يعكس تحولات أوسع في النقاش السياسي الأمريكي حول طبيعة العلاقة مع تل أبيب وحدود الالتزامات العسكرية والمالية تجاهها.
ومع ذلك، فإن قدرة الكونغرس على إحداث تحول سريع في هذه السياسة ستظل مرتبطة بمدى تماسك الأغلبية الجديدة وقدرتها على تجاوز الفيتو الرئاسي، فضلاً عن استمرار الخلافات داخل الحزبين بشأن حجم المساعدات وأولويات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
إرث ترامب وحسابات القوة
وفي موازاة هذه الملفات، تثير توجهات ترامب تجاه الصين وفنزويلا وكوبا تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل تحذيرات محللين من أن تراجع نفوذه الداخلي قد يدفعه إلى استخدام صلاحياته الخارجية بصورة أكثر اندفاعاً لتعزيز حضوره على الساحة الدولية.
تقول لورا بلومنفلد، محللة السياسة الخارجية في جامعة جونز هوبكنز لـ “رويترز”: إن شعور ترامب بالتعرض للضغط أو الاستفزاز قد يدفعه إلى استعراض صلاحياته الرئاسية عبر استخدام القوة بشكل أحادي خارج الولايات المتحدة، وهو احتمال يثير مخاوف من اتساع بؤر التوتر وعدم الاستقرار.
وبينما يمتلك الديمقراطيون أدوات أقوى لمساءلة الإدارة والضغط عليها، فإنهم لا يستطيعون بمفردهم إعادة صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، في ظل استمرار الصلاحيات التنفيذية للرئيس وحقه في الاعتراض على التشريعات.
وفي المحصلة، لا تبدو خسارة الجمهوريين للكونغرس نهاية لنفوذ ترامب الخارجي، بقدر ما تمثل بداية مرحلة من التجاذب بين رئيس يسعى إلى مواصلة فرض رؤيته الدولية وترسيخ إرثه السياسي، ومعارضة تمتلك أدوات رقابية وتشريعية أكبر، لكنها تواجه قيوداً دستورية وسياسية تحد من قدرتها.