دمشق-سانا
إنشاء سجل وطني للضحايا في سوريا ليس مجرد حاجة إحصائية، بل ضرورة قانونية وحقوقية تفرضھا المرحلة التي تمر بھا البلاد، وحجم انتھاكات النظام البائد بحق السوريين خلال الثورة، وما خلفته من ضحايا ومفقودين ومعتقلين ومھجرين، فضلاً عن الأضرار الجسدية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، بدأت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية العمل على مشروع السجل الوطني للضحايا، عبر مشاورات مع الضحايا وذويھم والمنظمات الحقوقية، بھدف وضع معايير قانونية وفنية تضمن إنشاء قاعدة بيانات وطنية موثوقة وشاملة، تحفظ حقوق المتضررين وتدعم مسارات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.
ويتفق أربعة خبراء قانونيين وحقوقيين تحدثوا لـ سانا على أن أھمية السجل تكمن في كونه أداة لحفظ حقوق الضحايا وذاكرتھم، مع اختلاف تركيزھم على آليات التوثيق والإثبات والتعامل مع المفقودين وضمانات التسجيل.
الاعتراف بالضحايا وحفظ الذاكرة الوطنية

أكدت إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لـ سانا، أن إنشاء السجل يأتي استجابة للحاجة إلى مرجعية وطنية موحدة وموثوقة لتوثيق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في سوريا، موضحة أن الغاية لا تقتصر على إحصاء الضحايا، بل تشمل توثيق ما تعرضوا له، وحفظ حقوقھم، وفھم حجم الأضرار التي لحقت بالأفراد والأسر والمجتمعات.
ويتفق الخبير القانوني سليمان القرفان مع ھذا التصور، مؤكداً أن السجل اعتراف بوجود الضحايا وحقوقھم، وأداة لكشف أنماط الانتھاكات التي ارتكبھا النظام البائد وتحديد حجمھا، وتمكين المتضررين من الوصول إلى الإنصاف وجبر الضرر.
من جانبه، يعتبر نقيب المحامين السوريين محمد علي الطويل أن توثيق الضحايا يمثل اعترافاً بحقوق الإنسان وكرامته، ورسالة تؤكد أن ما تعرض له السوريون لن يمحى من الذاكرة الوطنية.
ويشدد الطويل على ضرورة أن يشمل السجل ضحايا الاعتقال التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري والتھجير القسري، والناجين من الانتھاكات، والأسر التي لحقتھا أضرار مباشرة، مع إيلاء اھتمام خاص بالنساء والأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة.
معايير مرنة لإثبات الانتهاكات
وتمثل صعوبة الحصول على الوثائق الرسمية أحد أبرز التحديات أمام إنشاء السجل، بعدما فقد كثير من الضحايا أوراقهم الثبوتية، ودُمرت منازل وسجلات، وتعذر الوصول إلى بيانات الاحتجاز والمستشفيات، فضلاً عن وجود ضحايا وذويهم خارج البلاد.
وفي هذا الإطار، تؤكد إدارة جبر الضرر ضرورة أن يكون التسجیل شاملاً وعادلاً، وألا تتحول صعوبة امتلاك الوثائق إلى سبب لإقصاء الضحایا أو حرمانهم من الاعتراف بمعاناتهم، مبينة أن التسجيل سيتيح للضحايا وذويھم تقديم المعلومات عبر قنوات متعددة، مباشرة أو من خلال الجهات المتعاونة مع الھيئة، مع مراعاة خصوصیة كل حالة وحمایة البیانات الشخصیة.
ویتفق الطویل مع ھذا التوجه، داعیاً إلى اعتماد وسائل إثبات متنوعة، تشمل شھادات الضحایا والشھود، والتقاریر الطبیة، والصور والتسجیلات الرقمیة، والوثائق المتاحة، وسجلات المنظمات الحقوقیة والإنسانیة، كما یقترح وضع مستویات لتقییم موثوقیة المعلومات، وإتاحة مراجعتھا وتحدیثھا والاعتراض على الأخطاء.
أما الخبیر القانوني طارق حاج بكري، فیلفت إلى إمكانیة الاستفادة من الوثائق التي خلفھا النظام البائد بشأن الشھداء والجرحى والانتھاكات، إلى جانب شھادات الوفاة ودخول المستشفیات وسجلات النفوس ووثائق المخاتیر.
وفي حال غیاب الوثائق الرسمیة، یرى حاج بكري ضرورة الاستعانة بالشھود والقرائن والصور ومقاطع الفیدیو، فضلاً عن وثائق قیصر، مقترحاً تشكیل لجان لاستقبال طلبات التسجیل في المحافظات والمناطق، ولا سیما الأكثر تضرراً، وإیفاد فرق میدانیة لإجراء مقابلات مع المتضررین وذویھم، بما یضمن وصول عملیة التوثیق إلى أكبر شریحة ممكنة.السجل لیس بدیلاً عن القضاء بدوره، یشدد نقیب المحامین على ضرورة التمییز بین توثیق الضحایا وإثبات المسؤولیة الجنائیة، فالسجل أداة لتوثیق الوقائع والأضرار وتثبیت صفة المتضرر، بینما یبقى تحدید المسؤولیة الجزائية من اختصاص القضاء، وفق ضمانات المحاكمة العادلة وقرینة البراءة.
ویتفق القرفان معه، مؤكداً أن التسجیل لا ینبغي أن یكون مشروطاً بصدور حكم قضائي نھائي، لأن وظیفة السجل ھي توثیق الضحایا والانتھاكات، ولیس إصدار أحكام بالإدانة.
ویرى القرفان أن السجل یدعم مسارات العدالة الانتقالیة عبر حفظ الشھادات وكشف أنماط الانتھاكات وتوفیر المعلومات للجھات القضائية، فضلاً عن تحدید احتیاجات المتضررین وتصمیم برامج جبر الضرر، بما یشمل التأھیل النفسي والطبي، ورد الحقوق والممتلكات، والدعم الاجتماعي والاقتصادي.
وفي السیاق ذاته، توضح إدارة جبر الضرر في الهيئة الوطنیة للعدالة الانتقالیة أن السجل یوفر قاعدة معرفیة تساعد الھیئة على تحدید الأولویات وبناء برامجھا على معلومات موثوقة، وتعزیز التكامل بین كشف الحقیقة والمساءلة وجبر الضرر وحفظ الذاكرة الوطنیة.
حمایة البیانات ومشاركة المؤسسات
ولا يقتصر نجاح المشروع على وضع معاییر التسجیل، بل یتطلب ضمان سرية المعلومات وحمایة الضحایا والشھود وأسرھم من أي مخاطر إضافیة.
وفي ھذا الإطار، يؤكد الطویل استعداد نقابة المحامین للمساھمة في مراجعة الإطار التشريعي للسجل، واقتراح ضوابط الإثبات وحمایة البیانات وآلیات الاعتراض، وتقديم الاستشارات والمساعدة القانونیة للضحایا عبر لجنة متخصصة وفروع النقابة في المحافظات.
وبینما تتكامل ھذه المقترحات حول ضرورة إنشاء سجل شامل وموثوق، یلفت القرفان إلى أن نجاحه لا یُقاس بعدد الأسماء المدرجة فیه، وإنما بقدرته على إعادة الاعتبار للضحایا وكشف الحقیقة وحفظ حقوقھم، وتحویل الاعتراف بمعاناتھم إلى إجراءات عملیة للإنصاف وجبر الضرر.