دمشق-سانا
بينما يواصل الصيادون نصب شباكهم مع حلول الخريف، مستهدفين طيور السمان وعصفور التين وغيرها، تجد طيور مهاجرة وأنواع نادرة نفسها ضحية مصائد لا تميّز بين الطيور، ما يهدد التنوع الحيوي والتوازن البيئي في سوريا.
وفي ظل اتساع استخدام هذه الشباك، يسلط هذا التقرير الضوء على أبرز أنواع الطيور التي قد تقع ضحية الصيد الجائر، وأهميتها البيئية، والأضرار التي تلحق بها وبالحياة البرية، إلى جانب الإجراءات المتخذة لمكافحة هذه الممارسات، وما ينص عليه القانون السوري لحماية الطيور وتنظيم الصيد.
ومع حلول موسم الهجرة الخريفية، تتواصل عمليات نصب شباك الصيد في القلمون ومناطق أخرى من سوريا، حيث تُمد على مسافات واسعة وتُستخدم مكبرات الصوت وآلات التسجيل لاستدراج الطيور إليها.
من الشباك إلى الأسواق.. رحلة الطيور المصطادة

بعد جمع الطيور، ينقل الصيادون ما اصطادوه إلى الموزعين، لتصل لحومها إلى المستهلك عبر أطباق بلاستيكية بأحجام وكميات مختلفة، تتباين أسعارها بحسب النوع والكمية، وتبدأ من مئة وخمسين ألف ليرة سورية.
وتتنوع قنوات التسويق بين محال بيع اللحوم والبقاليات، والإعلانات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، فيما قد لا تتوافر للمستهلك معلومات واضحة عن الأنواع المعروضة أو طريقة صيدها ومدى صلاحيتها للاستهلاك.
يقول أحمد فرهود أحد أبناء القلمون الشرقي، الذي ينتشر فيه صيادو الطيور بكثرة: إن بعض الطيور يباع بأسماء متداولة لا تكشف هويتها الفعلية، بينما تصل أنواع أخرى إلى الأسواق رغم نفوقها داخل الشباك قبل ذبحها.
وبيّن أن الصيد لا يقتصر على الأنواع التقليدية المعروفة للاستهلاك، بل يمتد إلى طيور مغردة وأنواع أخرى غير مألوفة على موائد المستهلكين، حتى إن بعض الطيور المحظور قتلها، مثل الصرد والهدهد، أو الأنواع المهددة بالانقراض، كالقمري والشحيم وغيرها، قد تقع ضحية هذه الممارسات.
ومع انتشار أجهزة التسجيل والمكبرات الصوتية المستخدمة لجذب الطيور، لم تعد آثار الصيد مقتصرة على الحياة البرية؛ إذ باتت الأصوات المرتفعة مصدر إزعاج لسكان بعض المناطق.
ويقول عمران بكر، من أهالي جيرود: إن أصوات المكبرات الصوتية باتت مزعجة للسكان، نظراً لاستمرار أصواتها ليلاً حتى ساعات متأخرة من الصباح، مشيراً إلى أن الأهالي باتوا ينظرون إليها باعتبارها مصدراً للإزعاج وعدم احترام خصوصية الآخرين.
حملة ميدانية تضبط 500 متر من شباك الصيد بريف دمشق

في إطار مكافحة الصيد الجائر، نفذت الضابطة في منطقتي النبك ويبرود بريف دمشق حملة أسفرت عن إتلاف أكثر من 500 متر من شباك صيد الطيور المخالفة، وتحرير عدد من الطيور والعصافير العالقة فيها.
وأكدت الجهات المعنية استمرار الحملات، محذرة من المساءلة القانونية بحق من ينصب الشباك المخالفة.
مصائد لا تميز بين الأنواع
يرى مصور الطيور المهاجرة إيهاب جبر، أن الصيد الجائر باستخدام الشباك والدبق وأسلحة الصيد الحديثة يشكل خطراً كبيراً على الطيور والتنوع الحيوي.
وأوضح أن الشباك قادرة على اصطياد أعداد كبيرة من دون تمييز بين الأنواع، سواء للاستهلاك أو الاتجار، بما في ذلك نقل الطيور إلى خارج الحدود.
ويشرح خبير الحياة البرية والتنوع الحيوي المهندس أحمد أيدك، أن الشباك يصعب على الطيور رؤيتها، ولا تقتصر أضرارها على النفوق، بل تشمل إصابات الأجنحة والأرجل والريش، والإجهاد والجفاف والافتراس، وقد تفقد الطيور المحررة قدرتها على متابعة الهجرة.
بدوره، يوضح خبير البيئة والتنوع الحيوي الدكتور ماهر ديوب، أن الشباك الممتدة على مسافات واسعة قد تطال الجوارح والخفافيش والحشرات النافعة، وتستنزف أعداداً كبيرة خلال وقت قصير وبجهد محدود، بخلاف الصيد الذي يستهدف طائراً بعينه.

وتتعرض طيور صغيرة ومغردة للصيد بغرض الاتجار أو الاستهلاك المحلي، ومنها الحسون والتفاحي والكناري والبلابل والأبلق وعصفور التين والفرّي والسمن والشحرور والوروار والترغل، وفق ديوب.
وقد تقع في هذه المصائد أنواع نادرة أو مهددة محلياً وعالمياً، مثل النعار السوري والقطقاط الاجتماعي والرخمة المصرية والعقبان والنحام الوردي، إضافة إلى أنواع من البط، ولا سيما عند نصب الشباك قرب المسطحات المائية والأراضي الرطبة.
الطيور المهاجرة في دائرة الخطر
يشكل موقع سوريا على مسار الهجرة بين أفريقيا وأوراسيا محطة مهمة لاستراحة ملايين الطيور وتغذيتها خلال رحلتي الربيع والخريف، ما يجعل الشباك المنصوبة على مسارات عبورها خطراً يتجاوز الطيور التي تقع فيها إلى مجموعات وأسراب كاملة.

ويحذر أيدك من أن الصيد خلال الهجرة الربيعية يقلل أعداد الطيور التي تصل إلى مناطق التكاثر، خصوصاً عند اصطياد أفراد بالغة أو قبل موسم التكاثر، ما قد يؤثر في أعداد الأجيال اللاحقة.
ويشير ديوب إلى أن صيد الطيور المهاجرة قد يقطع دورة التكاثر ويؤثر في أعدادها على نطاق إقليمي، كما يؤدي تراجع الطيور الآكلة للحشرات، مثل السنونو والوروار، إلى إضعاف المكافحة الطبيعية للآفات الزراعية وزيادة الحاجة إلى المبيدات، فضلاً عن التأثير في الجوارح والحيوانات التي تعتمد على الطيور الصغيرة غذاءً لها.
ويوضح جبر، أن الطيور تؤدي أدواراً بيئية تشمل الحد من الحشرات والآفات التي تضر بالنباتات والأشجار المثمرة، والمساهمة في نشر البذور، لافتاً إلى أن صيدها أثناء رعاية الفراخ قد يؤدي إلى نفوقها بسبب انقطاع الغذاء عنها.
ونقل جبر عن جمعيات أوروبية معنية بحماية الطيور وصفها سوريا ولبنان بأنهما «ثقب أسود للطيور المهاجرة»، في إشارة إلى المخاطر التي تواجهها خلال عبورها المنطقة، وفي مقدمتها الصيد الجائر.
ماذا يقول القانون السوري؟
ينظم القانون رقم 14 لعام 2023 الصيد البري في سوريا، ويلغي المرسوم التشريعي رقم 152 لعام 1970.
ويوضح المحامي والمختص بالقانون البيئي فراس حاج يحيى، أن الصيد يخضع لشروط تتعلق بالترخيص والموسم والمكان والنوع والعدد والوسيلة، فيما تحظر التعليمات التنفيذية الشباك والوسائل التي تصطاد عدة كائنات دفعة واحدة، ولا سيما الممتدة أو المقترنة بأجهزة النداء.
وبحسب حاج يحيى، تنص المادة 22 على الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر أو غرامة من 250 ألفاً إلى 500 ألف ليرة سورية لاستخدام وسائل صيد محظورة أو مخالفة ضوابط الموسم والمكان والأنواع والأعداد.
كما تفرض الحبس من عشرة أيام إلى شهر أو غرامة من 100 ألف إلى 250 ألف ليرة للاتجار بالطرائد الميتة أو تقديم لحومها في المطاعم والمتنزهات، من دون الإخلال بأي عقوبة أشد.
ويمتد موسم الصيد عموماً من الأول من أيلول حتى مساء 15 شباط، ويُسمح به من ساعة بعد الشروق إلى ساعة قبل الغروب، مع إمكانية تعديله أو إلغائه لحماية أنواع أو مناطق معينة.
ويحظر الصيد في المحميات والمناطق المأهولة ومواقع أخرى تحددها المادة التاسعة، منها المناطق الواقعة ضمن ألف متر من المواقع المشمولة بالحظر، والمتنزهات الحراجية والحدائق النباتية ومناطق الوقاية.
الرقابة والبحث والتوعية.. مسارات متكاملة
دعا حاج يحيى إلى تحديث الغرامات وتشديد العقوبات عند تكرار المخالفات أو الصيد التجاري أو استخدام الشباك وأجهزة النداء أو استهداف الأنواع المهددة، وإنشاء سجل إلكتروني وطني للرخص والمخالفات، مع تعزيز التنسيق بين وزارات الزراعة والبيئة والداخلية والجهات القضائية.
ويؤكد جبر أهمية تفعيل القوانين وتعزيز دور الشرطة البيئية وضبط الحدود، والحد من تجارة الطيور ووسائل صيدها، إلى جانب حملات توعية تبدأ من المدارس وتستهدف الأطفال، وتوسيع التعاون بين الجهات الرسمية والجمعيات البيئية والمجتمعات المحلية.
ويدعو أيدك إلى إنشاء محميات تتمتع بحماية قانونية ورقابة فعالة، ولا سيما لحماية الأنواع المهددة ومواقع استراحة الطيور المهاجرة وتكاثرها.
كما يشدد على دور الجمعيات في رصد مواقع الشباك وتوثيق المخالفات وتدريب المتطوعين، ودور الجامعات والباحثين في سد النقص في الدراسات السورية، وإجراء مسوحات دورية لأعداد الطيور وتحديد الأنواع الأكثر تعرضاً للصيد العرضي، وإتاحة البيانات للجهات المعنية لبناء السياسات على الأدلة.
ويلفت ديوب إلى أهمية دعم المجتمعات المحلية ببدائل مستدامة، مثل السياحة البيئية ومراقبة الطيور، وإبراز التزامات سوريا في الاتفاقيات الدولية المعنية بالتنوع الحيوي والأنواع المهاجرة، مبيناً أن تراجع الطيور يهدد التوازن البيئي ويزيد الآفات الزراعية وتكاليف مكافحتها.
وبينما تتواصل جهود مكافحة الصيد الجائر، تبقى حماية الطيور المهاجرة والنادرة مرهونة بفاعلية الرقابة وتطبيق القانون، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذه الأنواع في الحفاظ على التوازن البيئي، فالشباك التي تستهدف طيوراً بعينها قد تتحول إلى مصائد تهدد الحياة البرية بأكملها.

