واشنطن-سانا
مع هطول الأمطار الأولى بعد فترات الجفاف، تتغير رائحة الهواء وتفوح من الأرض رائحة ترابية مميزة، سرعان ما تملأ المكان وتستحضر لدى كثيرين أجواء الشتاء والطبيعة، وترتبط بذكريات الطفولة والأماكن المألوفة، ما يجعلها من الروائح التي تحظى بقبول واسع.
ولا تنتج هذه الرائحة عن المطر وحده، وإنما عن مجموعة من المركبات التي تطلقها التربة والكائنات الدقيقة فيها، ومن أبرزها مركب «الجيوسمين»، إلى جانب دور حاسة الشم والدماغ في تفسير الروائح والاستجابة لها.
تشابه في إدراك الروائح بين البشر
تشير أبحاث علمية إلى أن رائحة الأرض بعد المطر ليست ظاهرة مرتبطة بالطقس وحده، بل ترتبط أيضاً بآلية معقدة لإدراك الروائح لدى الإنسان، وهو ما تناولته دراسات من زوايا مختلفة.
وذكرت دراسة نفذها باحثون من جامعة فروتسواف في بولندا نشرت في مجلة «آي ساينس» في تشرين الأول 2025، وشملت 909 أشخاص من 16 منطقة حول العالم، أن إدراك البشر للروائح يتشابه بدرجة كبيرة في مختلف المناطق، رغم وجود تأثيرات محدودة للعوامل الفردية والثقافية والجغرافية.
وقاس الباحثون 12 جانباً من جوانب إدراك الروائح، بينها شدة الرائحة ومدى استحسانها، ووجدوا أن الاختلافات بين المشاركين والمناطق كانت أوضح في تقدير شدة الرائحة منها في مدى تقبلها.
الجيوسمين.. أحد أسرار الرائحة الترابية
وفي دراسة نشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» في نيسان 2026، طور باحثون من جامعة طوكيو نظاماً محمولاً للكشف عن مركب «الجيوسمين» باستخدام خلايا مزودة بمستقبلات شمية حشرية، ما أتاح رصده بصورة سريعة وحساسة، وأظهرت الدراسة أن النظام تمكن من الكشف عن تركيزات منخفضة من «الجيوسمين» بدقة وسرعة، ما قد يساعد في رصد هذا المركب في البيئة ودراسة مصادره وانتشاره.
والجيوسمين مركب متطاير تنتجه كائنات دقيقة موجودة في التربة، ويتميز برائحة ترابية قوية يستطيع الإنسان اكتشافها حتى عند وجوده بتركيزات منخفضة، ويعد من المركبات المرتبطة برائحة الأرض المميزة.
كيف يتعرف الأنف إلى رائحة الأرض؟
في دراسة نشرت في مجلة «الكيمياء الزراعية والغذائية» عام 2024، تمكن باحثون بقيادة ديتمار كراوتفورست من معهد «لايبنيتز» لبيولوجيا نظم الأغذية والجامعة التقنية في ميونيخ، من تحديد مستقبل شمي بشري يستجيب بصورة خاصة لمركب الجيوسمين.
وأظهرت الدراسة أن هذا المستقبل يؤدي دوراً في قدرة الإنسان على التقاط رائحة الجيوسمين، حتى عندما يوجد المركب بكميات ضئيلة، ما يساعد في تفسير الحساسية العالية للإنسان تجاه هذه الرائحة.
المطر يطلق المركبات من التربة
لا تنتج الرائحة الترابية عن مياه المطر بحد ذاتها، إذ تساعد قطرات الماء عند اصطدامها بسطح التربة على إطلاق بعض المركبات المتطايرة إلى الهواء، ومن بينها الجيوسمين، فتصل إلى الأنف وتتعرف إليها المستقبلات الشمية.
وتختلف شدة الرائحة تبعاً لعوامل عدة، بينها طبيعة التربة ودرجة جفافها وتركيز المركبات المتطايرة، إضافة إلى ظروف هطول المطر.
بين الكيمياء والذكريات
لا تقتصر استجابة الإنسان لرائحة الأرض بعد المطر على آلية الشم، إذ يمكن للذكريات والتجارب الشخصية أن تؤثر في طريقة تقبل الروائح، فقد ترتبط رائحة الأرض الرطبة لدى بعض الأشخاص بذكريات الطفولة أو أماكن مألوفة أو أجواء الشتاء، ما يمنحها بعداً عاطفياً، في حين قد تختلف الاستجابة لدى أشخاص آخرين.
وتكشف هذه الدراسات أن الرائحة التي نشعر بها بعد المطر هي نتاج تفاعل بين مركبات تطلقها التربة والكائنات الدقيقة، وآليات الاستشعار في الجهاز الشمي، إضافة إلى العوامل الفردية والثقافية التي تؤثر في إدراك الروائح وتقييمها.