عواصم-سانا
يحتفظ كثير من الناس بأشياء تبدو بسيطة أو قليلة القيمة المادية، مثل تذكرة قديمة أو رسالة أو هدية أو قطعة من الطفولة، رغم انتهاء فائدتها العملية، إلا أن ارتباطها بذكرى أو شخص أو مرحلة من الحياة يمنحها قيمة خاصة لدى صاحبها.
وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن علاقة الإنسان بالمقتنيات لا ترتبط دائماً باستخدامها أو قيمتها المادية، إذ يمكن لبعض الأشياء أن ترتبط بالذكريات الشخصية والهوية والمشاعر، وتتحول مع مرور الوقت إلى وسيلة لاستحضار تجارب ومراحل من الماضي.
كيف تتحول الأشياء إلى حاملة للذكريات؟
أوضحت مراجعة علمية نشرت في مجلة «Current Opinion in Psychology» أن المقتنيات يمكن أن تؤدي أدواراً مختلفة في حفظ الذكريات الشخصية واستحضارها، سواء ارتبطت بحدث أو مكان أو شخص أو مرحلة معينة من حياة الإنسان.
وبينت المراجعة أن تعلق الإنسان ببعض مقتنياته يرتبط بقدرتها على حفظ الذكريات وتمثيلها واستعادتها، ولذلك قد يتحول غرض بسيط إلى وسيلة لاستحضار تجربة ماضية بمجرد رؤيته أو الاحتفاظ به.
عندما ترتبط المقتنيات بأشخاص مهمين
لا ترتبط الأشياء بذكريات الأحداث فقط، بل قد تصبح مرتبطة بأشخاص كان لهم حضور مهم في حياة الإنسان، مثل أفراد الأسرة والأصدقاء وغيرهم ممن تركوا أثراً في تجربته.
وأشارت دراسة أجرتها الباحثة ألكسندرا نيميجسكا من جامعة «SWPS» للعلوم الاجتماعية والإنسانية في بولندا، ونُشرت في مجلة «Personal Relationships»، إلى أن المقتنيات المرتبطة بالشريك، مثل الصور والهدايا، قد تساعد على الحفاظ على الشعور بالقرب منه واستحضار الذكريات خلال فترات الانفصال، كما ارتبط التعلق بهذه الأشياء بتراجع الشعور بالوحدة وزيادة الإحساس بالقرب من الشريك.
هل تصبح بعض المقتنيات جزءاً من هوية الإنسان؟
تتناول الأبحاث أيضاً العلاقة بين المقتنيات وصورة الإنسان عن نفسه، إذ يمكن أن ينظر الفرد إلى بعض ممتلكاته باعتبارها امتداداً لهويته أو مستودعاً لذكرياته أو مصدراً للراحة والأمان.
وفي دراسة أجراها باحثان من جامعتي نيو ساوث ويلز والجامعة الكاثوليكية الأسترالية، ونُشرت في مجلة «Journal of Behavioral Addictions» وشملت 532 مشاركاً، ارتبط التعلق العاطفي بالمقتنيات بأعراض الاكتناز، ولا سيما التعلق غير الآمن بالأشياء، وإضفاء الصفات البشرية عليها، والنظر إليها بوصفها مستودعاً للذكريات الشخصية.
لماذا تبدو بعض الأشياء وكأن لها شخصية؟
قد تضيف الطريقة التي ينظر بها الإنسان إلى الشيء قيمة عاطفية إليه، إذ يمكن أن يمنحه صفات أو خصائص بشرية، ما يعزز ارتباطه به.
وفي دراسة أجراها باحثون من جامعتي ماكواري ونيو ساوث ويلز في أستراليا، ونُشرت في مجلة «Journal of Behavioral Addictions» وشملت 331 مشاركاً، ارتبط إضفاء الصفات البشرية على المقتنيات بارتفاع قيمتها العاطفية والعملية وزيادة التعلق بها.
لماذا يصعب التخلي عن بعض الأشياء؟
عندما يصبح الشيء مرتبطاً بذكرى أو شخص أو جانب من الهوية، فإن التخلص منه قد لا يبدو مجرد الاستغناء عن غرض مادي، بل قد يرتبط أيضاً بالشعور بفقدان جزء من المعنى الذي يحمله.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من جامعات ولاية بنسلفانيا وولاية أوهايو وتكساس في أوستن، ونُشرت في مجلة «Journal of Marketing»، أن الاحتفاظ بذكرى المقتنيات العاطفية، مثل تصويرها قبل التخلي عنها، قد يزيد استعداد الأشخاص للتبرع بها، لأن استحضار الذكرى يخفف الشعور بفقدان جزء من الهوية المرتبط بالتخلي عن المقتنى.
متى يتحول الاحتفاظ بالمقتنيات إلى مشكلة؟
لا يعني التعلق العاطفي بمقتنى معين وجود اضطراب، فالاحتفاظ بأشياء مرتبطة بالذكريات أو الأشخاص جزء مألوف من علاقة الإنسان بمحيطه، ويختلف ذلك عن اضطراب الاكتناز الذي يتميز بصعوبة شديدة في التخلي عن الممتلكات وتراكمها بما يؤثر في الحياة اليومية.
وأوضحت مراجعة علمية نُشرت في مجلة «Behaviour Research and Therapy»، أن التعلق المختل بالممتلكات يمثل أحد الجوانب المهمة في فهم اضطراب الاكتناز، إلى جانب عوامل معرفية وعلاقاتية أخرى، مشيرةً إلى أن أنماط التعلق غير السوية بالأشخاص والممتلكات قد تسهم في السلوك الادخاري المرتبط بالاضطراب.
وفي النهاية، قد لا يكون الإنسان متمسكاً بالشيء نفسه بقدر تمسكه بالمعنى الذي أصبح يحمله؛ فالمقتنى البسيط يمكن أن تزداد قيمته العاطفية كلما ارتبط بذكرى أو شخص أو تجربة أو جانب من حياة صاحبه.