دمشق-سانا
يتقاطع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين لعام 2026، مع ملف القيود والإجراءات التي واجهها الصحفيون في سوريا خلال عهد النظام البائد، وما يرتبط به من أسئلة حول كشف الحقيقة والمساءلة، وذلك بالتوازي مع التحولات التي يشهدها الواقع الإعلامي بعد التحرير.
تحدث الخبير الدولي في التواصل والإعلام بول ماروديس لـ سانا عن تجربته خلال عمله صحفياً، وعن التحولات التي لمسها خلال زياراته المتعاقبة إلى سوريا، وصولاً إلى عودته بعد التحرير مستشاراً إعلامياً ضمن برنامج أوروبي لتطوير الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).
ووفق ماروديس، تعود تجربته الأولى في سوريا إلى ربيع عام 2003، عندما توجّه برفقة مصوّر من بيروت إلى بغداد برّاً لتغطية الغزو الأمريكي للعراق، حيث واجها لدى وصولهما إلى الحدود السورية استجواباً مشدّداً من أحد الضباط، لا لسبب سوى لأنهما صحفيان، مع أنهما كانا في رحلة عبور لا غير.
”كلمة صحفي نذير شؤم”
في عام 2008، عاد ماروديس إلى سوريا موفداً من وكالة أنباء دولية، لتغطية الزيارة التي قام بها إلى دمشق العماد ميشال عون، الذي كان يومها زعيم التيار الوطني الحر ورئيس تكتل التغيير والإصلاح النيابي، قبل أن يصبح في 2016 رئيسا للبنان.
وعن تلك التجربة يستذكر الخبير الدولي حجم القيود الأمنية المشددة التي كانت تطوّق عمل الصحفيين الأجانب، في ظل منظومة معقدة من الإجراءات والرقابة الصارمة، تبدأ بسلسلة طويلة من التراخيص والموافقات المسبقة، ولا تنتهي عند إخضاع تحركات الصحفيين وتغطياتهم لتنسيق أمني مسبق يحدّ من حريتهم في العمل والحركة.
ويستعيد ماروديس مشهداً من تلك المرحلة، حين كان الصحفيون مضطرين إلى التوجه في ساعات الصباح الباكر إلى مقر وكالة سانا، وانتظار نقلهم بحافلة صغيرة إلى مواقع التغطية، في إطار إجراءات كانت تقيّد تحركاتهم وتخضع عملهم لقيود مسبقة.
ولم تقف تلك القيود عند حدود التنقل والعمل الميداني، بل امتدت إلى التواصل المهني بين الصحفيين الأجانب ونظرائهم السوريين، إذ كان بعض الصحفيين السوريين يترددون في الإجابة عن أسئلة المراسلين الأجانب أو التحدث إليهم، ما أضفى مزيداً من الصعوبة على إنجاز التغطيات الصحفية.
وأشار ماروديس إلى أن صحفية لبنانية مخضرمة نصحته خلال تلك الفترة، بألا يعرّف عن نفسه بصفته صحفياً، بل أن يقدّم نفسه على أنه مترجم، محذرة إياه بالقول إن “كلمة صحفي نذير شؤم”، في عبارة تختزل، بحسب روايته، طبيعة المناخ الأمني والقيود التي كانت تحيط بممارسة العمل الصحفي آنذاك.
نقاش مهني وحيوية في غرفة الأخبار
بعد سنوات من تلك التجارب، عاد الخبير الإعلامي الدولي إلى دمشق عقب تحرير سوريا من النظام البائد، لكن هذه المرة ضمن برنامج يموله الاتحاد الأوروبي لتطوير وكالة سانا، وإعادة تأهيل كوادرها، بصفته مستشاراً إعلامياً مشاركاً في العمل مع هيئة التحرير.
ووصف عودته إلى مقر الوكالة بعد 18 عاماً بأنها محطة فارقة في تجربته، موضحاً أنه وجد أجواء مختلفة داخل غرفة الأخبار، حيث لمس استعداداً لدى الصحفيين والصحفيات للنقاش وتبادل الآراء وتقبل النقد المهني، معتبراً أن اختلاف وجهات النظر يمثل علامة على حيوية البيئة الصحفية.
وأشار إلى أن النقاشات التي شارك فيها تناولت موضوعات مهنية وتحريرية، بينها أدوات التحقق من المصادر، والفصل بين الخبر والرأي، ودور سانا بوصفها وكالة أنباء عامة تضع الإنسان في صلب اهتماماتها، إضافة إلى أهمية الحفاظ على مسافة مهنية واضحة بين الصحفي وأي مسؤول.
بين زوال الرقيب وبقاء أثره
اعتبر ماروديس أن ما لمسه داخل الوكالة وفي المشهد الإعلامي السوري عموماً، يعكس تحولاً في مساحة التعبير والنقاش، لكنه شدد على أن آثار عقود من الترهيب والرقابة لا تتلاشى بمجرد زوال المنظومة الأمنية، إذ قد يغادر الرقيب المؤسسات الإعلامية، غير أن أثره يبقى حاضراً في سلوك الصحفيين، من خلال الرقابة الذاتية التي ترسخت لديهم على مدى سنوات طويلة.
حرية النقاش والنقد واستقلالية القرار التحريري
يرى ماروديس أن تجاوز إرث المرحلة السابقة وإحداث تحول حقيقي في المشهد الإعلامي السوري لا يتحقق بمجرد رفع القيود الأمنية، بل يتطلب إرساء ممارسات مهنية، تضمن حرية النقاش والنقد، واستقلالية القرار التحريري.
ويصف ما تخوضه وكالة سانا اليوم بأنه “معركة تحرير الخبر”، مؤكداً أن هذه المعركة تتجاوز حدود المؤسسة لتشكل مسؤولية جماعية تقع على عاتق الإعلام السوري بمختلف مؤسساته وكوادره، من أجل إرساء بيئة إعلامية حرة ومستقلة، تتيح للصحفيين أداء مهامهم بمهنية وموضوعية، وتفتح المجال أمام نقل الوقائع وتعدد الآراء بعيداً عن الخوف والخضوع للإملاءات.
من التخليد الدولي إلى المساءلة
وتأتي تصريحات ماروديس بالتزامن مع إحياء اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين التي تم اعتمادها من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2013 الـ 2 من تشرين الثاني من كل عام، ولهذه المناسبة دلالة خاصة في السياق السوري، بعد أن احتلت المرتبة 179 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة للعام 2024، وفق التقرير السنوي لمنظمة “مراسلون بلا حدود”، حيث قتل المئات على يد قوات النظام البائد وحلفائه بين عامي 2011 و2024، فضلاً عن الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري والمراقبة الرقمية.
ولم تكن هذه الانتهاكات حوادث معزولة، بل سياسة ممنهجة كرسها إفلات شبه تام من العقاب، كما في جريمة استهداف المركز الإعلامي في حمص عام 2012 التي أودت بحياة الصحفية الأمريكية ماري كولفين، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، وكشف تحقيق حديث أنها كانت عملية مدبرة ومتعمدة.
وبذلك، فإن إحياء اليوم الدولي في سوريا ما بعد النظام البائد ليس مجرد تخليد دولي، بل محطة مفصلية لتقييم حجم الإفلات من العقاب الذي مارسه النظام البائد، والتأكيد أن المساءلة عن الجرائم ضد الصحفيين هي حجر الأساس لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات وإنصاف الضحايا وأسرهم.