ريف دمشق-سانا
في اليوم الدولي للمعلمين، يستعيد المعلم السوري دوره في العملية التعليمية، بعد سنوات أبعد خلالها النظام البائد آلاف المعلمين عن مدارسهم ومهنتهم، وفصلهم من وظائفهم على خلفية مشاركتهم في الثورة السورية، قبل أن تبدأ عودتهم بعد التحرير إلى مدارسهم واستعادة حضورهم في المؤسسات التعليمية، حاملين معهم خبرات وتجارب تراكمت خلال سنوات الغياب.
وتختصر قصة المدرس عمر الغبرة، مدير ثانوية الحافظ ابن عساكر في عربين بريف دمشق، جانباً من هذه التجربة، إذ فصله النظام البائد من وظيفته بسبب دعمه للثورة السورية وانخراطه فيها، ما اضطره لاحقاً إلى مغادرة سوريا ومواصلة عمله في مجال التدريس خارجها، قبل أن يعود إلى وطنه ويستأنف عمله في قطاع التعليم، حاملاً شغفاً لم تطفئه سنوات الغياب، وإيماناً بأن رسالة المعلم تتجاوز حدود الكتاب والدرس.
وبمناسبة اليوم الدولي للمعلمين، يستعرض الغبرة في تصريح لمراسلة سانا اليوم الإثنين محطات من تجربته المهنية والإنسانية، وما رافقها من صعوبات، وصولاً إلى عودته إلى التعليم، في صورة تعكس جانباً من مسار معلمين سوريين أبعدوا عن مهنتهم خلال السنوات الماضية، ويسعون اليوم إلى استعادة دورهم والمساهمة في بناء العملية التعليمية.

وبين الغبرة أنه بدأ عمله في مجال التدريس عام 2006، لافتاً إلى أن اختياره مهنة التعليم جاء من رغبة وقناعة بأنها رسالة تتجاوز حدود الوظيفة، وأن دور المعلم لا يقتصر على تقديم المعرفة، فهو “مربٍّ أولاً، ثم معلم ثانياً”، كما يرى في كل طالب مشروع إنسان سيكون مستقبلاً عنصراً فاعلاً في مجتمعه، مبيناً أهمية بناء شخصية الطالب وتعزيز إحساسه بالمسؤولية.
وأوضح الغبرة أنه اضطر إلى مغادرة سوريا سنة 2015 نتيجة تعرضه لضغوط وملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام البائد، ما دفعه إلى الانتقال إلى تركيا ثم مصر، حيث واصل عمله في مجال التدريس، قبل أن يعود إلى سوريا عقب التحرير، ويستأنف عمله في قطاع التعليم، مبيناً رغبته بالعمل كمدرس، لكنه تولى لاحقاً إدارة ثانوية الحافظ ابن عساكر.
بناء منظومة التعليم
ولفت الغبرة إلى أن مغادرته سوريا وابتعاده عن مهنة التدريس شكلا أصعب مراحل حياته المهنية، في حين كانت عودته إلى وطنه وورود اسمه ضمن قوائم المعلمين العائدين من أجمل لحظاته، مؤكداً تمسكه بمهنته وإصراره على المساهمة في بناء منظومة التعليم الجديدة، ومعرباً عن أمله في استكمال إجراءات تثبيت المعلمين العائدين واحتساب خدماتهم السابقة.
وقال الغبرة: إن “عودة المعلم إلى الصف تعتبر عودة إلى الرسالة قبل أن تكون عودة إلى الوظيفة، فالمعلم لا يدخل الصف ليقدم معلومة فقط، وإنما ليشارك في صناعة جيل جديد”.
عودة المعلمين إلى المدارس

وتشكل عودة الغبرة جزءاً من مسار أوسع لاستعادة المعلمين الذين أبعدوا عن مؤسسات التعليم خلال السنوات الماضية، حيث أشار مدير تربية ريف دمشق فادي نزهت في تصريح مماثل إلى أن عدد المعلمين المفصولين بسبب الثورة في المحافظة كان كبيراً، وأن إعادتهم إلى مواقعهم شكلت أولوية لدى الوزارة، تقديراً لما قدموه خلال السنوات الماضية.
ولفت نزهت إلى أن 512 معلماً ومعلمة من المعلمين المفصولين عادوا إلى مدارس ريف دمشق، وأنهم يعملون حالياً بموجب عقود تجدد تلقائياً، بينما يجري العمل على استكمال الإجراءات التشريعية التي تتيح إعادتهم إلى وضعهم الوظيفي السابق.
وأكد نزهت أن عودة المعلمين تحمل قيمة تتجاوز استعادة الوظيفة، إذ عاد كثير منهم بعد سنوات من العمل في دول أخرى محملين بخبرات وتجارب في أساليب التعليم الحديثة، ما ينعكس على العملية التعليمية.
ومع عودة عدد منهم إلى مناطقهم، اعتبر نزهت أن دور المعلم لا يقل أهمية عن إعادة بناء المدارس، لأن إعادة إعمار المكان تحتاج إلى بناء الإنسان القادر على حمل مستقبل المجتمع، مؤكداً أن التربية والتعليم تعمل رغم التحديات وبالإمكانات المتاحة على معالجة آثار الفاقد التعليمي وبناء جيل جديد.
ويأتي اليوم الدولي للمعلمين لعام 2026 في الذكرى السنوية الستين لاعتماد توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 بشأن أوضاع المدرسين، بالتزامن مع مراجعة التوصية في ضوء التحولات والتحديات الجديدة التي تواجه المهنة، حيث يقام هذا العام تحت شعار “دعم المعلمين: 60 عاماً من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا”، بما يسلط الضوء على ضرورة تعزيز مكانة المعلم ودعمه وتمكينه من أداء دوره التربوي والتعليمي.


