دمشق-سانا
رغم الارتفاع الملحوظ في المساحات المزروعة بالذرة الصفراء في سوريا والقفزة الإنتاجية التي سجلها المحصول هذا الموسم، تبرز عقبة التجفيف بعد الحصاد كواحدة من أكبر التحديات التي تواجه المزارعين وتحدد الجدوى الاقتصادية للمحصول وسد الفجوة العلفية محلية الصنع.
وسجل إنتاج الذرة الصفراء في سوريا ارتفاعاً بنسبة 42 بالمئة خلال العام الحالي، ليبلغ 475,232 طناً، على مساحة مزروعة وصلت إلى 84,381 هكتاراً، لكن تعزيز مساهمة المحصول في صناعة الأعلاف لا يزال مرتبطاً برفع الإنتاجية ومعالجة تحديات التجفيف والتخزين والتسويق.
متوسط إنتاج الهكتار نحو 6 أطنان
قال مدير الإنتاج النباتي في وزارة الزراعة ماهر الدج، في تصريح لـ “سانا”: إن إنتاج العام الماضي بلغ 332,573 طناً، مقابل الإنتاج المسجل هذا العام، موضحاً أن متوسط إنتاج الهكتار من الأصناف الهجينة يبلغ نحو 6 أطنان.

وتتصدر الرقة المحافظات المنتجة بنسبة 35 بالمئة من إجمالي الإنتاج، تليها حلب بنسبة 27 بالمئة، ثم الحسكة بنسبة 13 بالمئة، فيما يغطي الإنتاج المحلي، وفق الدج، نحو 50 بالمئة من الاحتياج السوري من المحصول.
وبالتوازي مع الإنتاج المتحقق، أوضح مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي في الوزارة محمد الناجي في تصريح مماثل، أن المساحة المخططة لزراعة الذرة الصفراء بلغت 97 ألف هكتار، بإنتاج متوقع يصل إلى 551 ألف طن، وبمتوسط مردود قدره 5,680 كيلوغراماً للهكتار.
وأشار إلى أن زراعة المحصول تتم بعروتين رئيسة وتكثيفية، وتتوزع المساحة المخططة بنسب 35 بالمئة في الرقة، و34 بالمئة في حلب، و16 بالمئة في دير الزور، لافتاً إلى أن مساحة العروة التكثيفية تشكل 90 بالمئة من إجمالي المساحة المخططة.
وبين أن الوزارة تسعى إلى رفع إنتاجية وحدة المساحة إلى 7,000 كيلوغرام للهكتار باستخدام الأصناف الأعلى إنتاجية، موضحاً أن التوسع في زراعة المحصول يتطلب التنسيق مع وزارة الطاقة والهيئة العامة للموارد المائية لتحديد مدى توفر الموارد المائية اللازمة، ولا سيما في ظل التغيرات المناخية.
10 أطنان بحثياً وخمسة أصناف معتمدة.. هل تقترب الحقول من هذه الإنتاجية؟
يشكل تحسين البذار أحد مسارات رفع المردود، إذ أوضحت رئيسة قسم الذرة رزان النجار في تصريح لـ “سانا”، أن عمل القسم يتركز على اختبار الأصناف الواردة من المراكز العربية والدولية وانتخاب الملائم منها للظروف المحلية، إلى جانب التربية والتهجين لاستنباط أصناف عالية الإنتاجية واعتمادها وتسجيلها، وتزويد المؤسسة العامة لإكثار البذار بنوياتها، مؤكدة عدم وجود مشروعات أو إجراءات أخرى ضمن عمل القسم.
وبيّنت أن الأصناف المعتمدة تشمل نوعين بإنتاجية 7.7 و7.4 أطنان للهكتار، وقد اعتُمدا عام 2000، ويتميزان بمقاومة متوسطة للتفحمات، إضافة إلى نوعين آخرين، اعتمد الأول عام 1989، وهو مبكر الإزهار والنضج ومناسب للعروة التكثيفية، بإنتاجية 6.34 أطنان للهكتار، والثاني اعتمد عام 1982، بإنتاجية 6.35 أطنان.
ويأتي نوع باسم «سلمية 1»، المعتمد عام 2014، بإنتاجية تبلغ 6.5 أطنان للهكتار، وعمر نباتي بين 115 و125 يوماً، ويتميز بحبوب بيضاء منغوزة ووزن ألف حبة يبلغ 240 غراماً، كما أنه مقاوم للتفحمات، وتستجيب الأصناف الثلاثة الأخيرة للري والتسميد وخصوبة التربة.
رحلة الذرة بعد الحصاد.. فجوة التجفيف ترفع التكلفة
رغم تحسن الإنتاج وتوافر أصناف ذات مردود مرتفع في التجارب البحثية، تواجه زراعة الذرة الصفراء تحدياً في مرحلة ما بعد الحصاد، إذ يضطر بعض المزارعين في الرقة إلى نشر المحصول في الساحات والطرقات لتجفيفه، بسبب محدودية مرافق التجفيف، وما يرافق ذلك من أعباء ومخاطر على جودة المحصول والسلامة المرورية.
وفي 11 تشرين الأول الماضي، صدر تعميم يمنع تجفيف الذرة الصفراء على الطرق العامة والرئيسة والفرعية داخل المدن والقرى والبلدات في الرقة، حفاظاً على السلامة المرورية، فيما أفاد مزارعون بأن تكاليف التجفيف والنقل لدى الجهات الخاصة قد تتجاوز 30 دولاراً للطن في بعض الحالات.
ويرى الخبير التنموي أكرم العفيف، في تصريح لـ”سانا”، أن نقص المجففات وارتفاع تكاليف الإنتاج والتجفيف من أبرز العوامل التي تحد من التوسع في زراعة المحصول، موضحاً أن تأخر الحصاد وتزامنه مع الأجواء الرطبة يصعّبان تجفيفه طبيعياً، ولا سيما في الزراعات التي تأتي بعد القمح والبقوليات والمحاصيل الشتوية.
ويضيف أن الذرة قد تكون ذات نوعية جيدة عند الحصاد، لكنها لا تصبح صالحة للتخزين من دون تجفيف مناسب، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع أسعارها وصعوبة تسويقها، وقد يسبب خسائر للمزارعين ويدفع بعضهم إلى العزوف عن زراعتها.
التجفيف وخفض الرطوبة ضروري لضمان تخزين الذرة بصورة سليمة
كما تزيد الحيازات الصغيرة والكميات المحدودة أعباء نقل المحصول إلى المجففات وإعادته، وخاصة مع ارتفاع أسعار المحروقات، مشيراً إلى حاجة مناطق واسعة، مثل سهل الغاب، إلى مزيد من المجففات.

وتتطلب عملية التجفيف خفض نسبة الرطوبة في حبوب الذرة إلى 13–14 بالمئة لضمان تخزينها بصورة سليمة، بحسب المهندس الزراعي غسان رستم، الذي حذر من أن عدم الوصول إلى هذه النسبة قد يؤدي إلى العفن وتراجع الجودة واحتمال تشكل السموم الفطرية، بما يجعل المحصول غير مناسب للاستخدام العلفي.
ويعزو رستم تفاوت الإنتاجية بين المحافظات إلى مدى ملاءمة الأصناف للظروف المناخية، ولا سيما درجات الحرارة والرطوبة خلال مرحلة الإزهار، مؤكداً أهمية اختيار الأصناف المناسبة للمناطق الدافئة والجافة والمعتدلة، واعتماد برامج مدروسة للري والتسميد وممارسات زراعية حديثة ترفع إنتاجية الهكتار وترشد استهلاك المياه والأسمدة.
ألف طن يومياً في تل سلحب.. هل تكفي المجففات لاستيعاب المحصول؟
في محاولة لمعالجة فجوة التجهيز، تم الإعلان عن تعديل أحد خطوط مجفف تفل الشوندر في معمل سكر تل سلحب لاستخدامه في تجفيف الذرة، بطاقة تصل إلى ألف طن يومياً، مع العمل على تعديل الخط الثاني.
وتوجد ثلاثة مجففات خاصة في دير حافر والسفيرة وتل علم بريف حلب، بطاقة إجمالية تصل إلى 90 طناً في الساعة، ومجفف في حماة بطاقة 12 طناً في الساعة، ومجففان في الرقة بمنطقتي البوحمد وزور شمر بطاقة إجمالية تبلغ 7 أطنان في الساعة، إضافة إلى مجفف في منطقة التبني بدير الزور بطاقة 7 أطنان في الساعة، فضلاً عن منشآت صغيرة أخرى.
لكن توافر هذه الطاقات لا يلغي الحاجة إلى صيانتها وتأهيلها وتوزيعها جغرافياً، بما يتناسب مع مناطق الإنتاج، وفق رستم، الذي شدد على ضرورة تأمين قدرات تشغيلية واستيعابية كافية لاستقبال المحصول، مشيراً إلى أن ارتفاع تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات والعمالة والري والحصاد والتجفيف، إلى جانب تراجع الربحية، يدفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات أو الاكتفاء بإنتاج يغطي احتياجاتهم الخاصة.
من تكلفة الإنتاج إلى منافذ التسويق.. أين تتعثر أرباح مزارعي الذرة؟
لا تقتصر أهمية معالجة هذه التحديات على حماية المحصول من التلف، بل تمتد إلى تحسين عائد المزارع وتعزيز الجدوى الاقتصادية للزراعة، وفي هذا السياق، قال الدكتور في الاقتصاد الزراعي مصطفى حاج حميدي: إن زراعة الذرة الصفراء تمتلك جدوى اقتصادية ويمكن أن تسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الاستيراد، شريطة تخفيض تكاليف الإنتاج وتحسين الإنتاجية وتوفير مستلزمات الزراعة وخدمات ما بعد الحصاد.
وأوضح أن دراسة ميدانية في محافظة حلب لعام 2024 أظهرت أن إنتاجية الهكتار بلغت نحو 4 أطنان، والتكاليف الإنتاجية الكلية نحو 195.8 ألف ليرة سورية، مقابل ناتج إجمالي بلغ نحو 241.5 ألف ليرة، محققة ربحاً اقتصادياً إجمالياً بنحو 45.7 ألف ليرة للهكتار.
وبحسب الدراسة، شكلت التكاليف المتغيرة 63.51 بالمئة من إجمالي تكاليف الإنتاج، مقابل 36.49 بالمئة للتكاليف الثابتة، وكانت الأسمدة الكيماوية من أبرز عناصر التكلفة، ما يبرز أهمية توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار مناسبة وتحسين إدارة العمليات الزراعية والري.
وعلى مستوى التسويق، فتحت المؤسسة العامة للأعلاف خلال موسم 2025 مراكز لاستلام الذرة الصفراء في عدد من المحافظات، مستهدفة استلام نحو 5 آلاف طن من الذرة المجففة آلياً وألف طن من المجففة طبيعياً، مع إمكانية زيادة الكميات.
وأوضح المدير العام للمؤسسة حسين شهاب، في نيسان 2026، أن تأمين الذرة محلياً يقلل الاعتماد على استيراد أحد المكونات الأساسية للأعلاف ويخفف الضغط على القطع الأجنبي، فضلاً عن توفير منفذ تسويقي للمزارعين.
وتمتلك المؤسسة العامة للأعلاف ستة معامل، ثلاثة منها في الخدمة: تل بلاط في حلب بطاقة تبلغ 90 ألف طن سنوياً، وطرطوس بطاقة 50 ألف طن، وعدرا بريف دمشق بطاقة 50 ألف طن، بمجموع طاقات اسمية يصل إلى 190 ألف طن سنوياً، فيما كانت معامل كفربهم في حماة والشيفونية بريف دمشق والوعر في حمص خارج الخدمة مع طرحها للاستثمار، وفق المؤسسة.
من الحبوب إلى السيقان.. كيف تتحول الذرة إلى سلسلة اقتصادية متكاملة؟
ورأى العفيف أن تطوير سلسلة الذرة الصفراء لا ينبغي أن يقتصر على إنتاج الحبوب واستخدامها في الأعلاف، إذ يمكن الاستفادة من بعض الأصناف في استخراج زيت الذرة، ومن العيدان والسيقان والأوراق في إنتاج مكونات علفية وسيلاج لتغذية الثروة الحيوانية، أو استخدامها في زراعة الفطر المحاري وتصنيع قوالب للتدفئة، بما يخفف الضغط على حطب الغابات ويوفر فرصاً اقتصادية إضافية.
وشدد على أهمية ربط المزارعين بمراكز التجفيف والتخزين ومعامل الأعلاف ضمن سلسلة إنتاجية متكاملة.
فيما دعا رستم إلى إبرام عقود مسبقة مع المزارعين بأسعار تشجيعية، وتأمين البذار المحسنة ومستلزمات الإنتاج، وتفعيل دور مراكز البحوث والإرشاد الزراعي والجمعيات التعاونية في اختيار الأصناف الأعلى إنتاجية وتنظيم التسويق وتخفيف تكاليف النقل.
بينما دعا حاج حميدي إلى دعم المزارعين وتطوير نظم الري والاستفادة من الطاقة الشمسية في تشغيل المضخات، وتحسين التنسيق بين المنتجين والجهات التسويقية والصناعية، وتوفير إمكانات التجفيف والتخزين للحد من خسائر ما بعد الحصاد.
وتتضمن خطة المؤسسة العامة للأعلاف للفترة 2026–2030 تحديث معامل الأعلاف وإنشاء مجففات حديثة وتنظيم الاستيراد وتطوير المخابر والتوسع في استخدام البدائل العلفية والمخلفات الزراعية والصناعية.