القدس المحتلة-سانا
يفاقم الاحتلال الإسرائيلي الأزمة التي تواجه المنظومة الصحية في قطاع غزة، جراء استمرار منعه إدخال الدواء والوقود والزيوت وقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات الكهربائية وصيانتها، ما يهدد بتوقف الخدمات الطبية في المستشفيات التي تعتمد بصورة شبه كاملة على هذه المولدات، ويعرض حياة المرضى والجرحى، ولا سيما الأطفال الخدّج ومرضى الفشل الكلوي والعناية المركزة، لمخاطر متزايدة.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية في القطاع الدكتور خليل الدقران لـ سانا: إن الاحتلال الإسرائيلي قطع التيار الكهربائي عن القطاع منذ بداية حرب الإبادة في تشرين الأول 2023، ما دفع المستشفيات إلى الاعتماد بصورة كاملة على المولدات الكهربائية لتشغيل مرافقها وأجهزتها الطبية.
وأوضح الدقران أن أكثر من 55 بالمئة من المولدات الكهربائية دُمّرت، فيما تعاني المولدات المتبقية ضعفاً في قدرتها التشغيلية، ولا تستطيع تأمين احتياجات المستشفيات التي لا تزال تعمل بصورة جزئية.
وأضاف أن المولدات المتبقية تعمل منذ نحو ثلاث سنوات بصورة متواصلة، ما أدى إلى تعطل معظمها نتيجة الاستهلاك المستمر، إذ تحتاج إلى الصيانة وقطع الغيار والزيوت اللازمة لاستمرار تشغيلها، مشيراً إلى أن منع إدخال هذه المستلزمات يحول دون إجراء أعمال الصيانة الضرورية.
وبيّن أن وزارة الصحة في القطاع تحتاج إلى نحو 2500 ليتر من الزيوت شهرياً للمولدات الكهربائية، محذراً من أن استمرار منع إدخالها يهدد المولدات العاملة بالتوقف في أي لحظة، ما قد يؤدي إلى تعطيل الخدمات الطبية وخروج بعض المستشفيات من الخدمة بشكل كامل، ما يشكل خطراً مباشراً على حياة المرضى، ولا سيما في أقسام العناية المركزة وأمراض القلب والحضانة والعمليات وسائر الأقسام الحيوية التي تعتمد على الكهرباء بصورة مستمرة.
مستشفى شهداء الأقصى في دائرة الخطر

قال الطبيب في قسم الكلى بمستشفى شهداء الأقصى عبد الرزاق البحيصي: إنه المستشفى الأساسي العامل في القطاع، ويعاني نقصاً كبيراً في السولار اللازم لتشغيل المولدات، ما يؤدي إلى انقطاع الكهرباء عن أجهزة غسيل الكلى وتوقفها أثناء جلسات العلاج.
وأشار البحيصي إلى أن أقسام الحضانة والعناية المركزة والكلى الصناعية تواجه خطراً مباشراً جراء انقطاع الكهرباء، نظراً إلى حاجتها لإمدادات طاقة مستمرة لا تحتمل التوقف.
وأوضح أن أجهزة التنفس الاصطناعي في العناية المركزة تعتمد كلياً على الكهرباء، وأن الأعطال التي أصابت بطارياتها نتيجة طول فترة الاستخدام جعلتها غير قادرة على توفير بدائل عند انقطاع التيار، ما قد يؤدي إلى توقف الأجهزة وانقطاع الأكسجين عن المرضى، ولا سيما الموجودين في حالات غيبوبة.
ولفت إلى أن بطاريات أجهزة غسيل الكلى أصبحت تالفة بفعل طول فترة استخدامها، الأمر الذي يجعل توقف الأجهزة عند انقطاع الكهرباء بالغ الخطورة، إذ يؤدي إلى تجلط الدم داخلها وفقدان المرضى كميات منه، مع احتمال تعرضهم لمضاعفات قد تنتهي بالوفاة.
وأضاف أن الاحتياجات تشمل كذلك الحقن والمواد الاستهلاكية الطبية ومستحضرات الحديد وغيرها من المستلزمات الضرورية لاستمرار تقديم العلاج.
تقليص جلسات غسيل الكلى إلى النصف
وتنعكس أزمة الكهرباء بصورة مباشرة على مرضى الفشل الكلوي، الذين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على جلسات العلاج بانتظام، في ظل توقف الأجهزة ونقص الإمكانات اللازمة لتشغيلها.

وقال مريض الكلى رامي أبو معوض إن نقص الوقود أدى إلى تقليص عدد جلسات الغسيل الأسبوعية من ثلاث جلسات إلى جلستين، وخفض مدة الجلسة الواحدة من أربع ساعات إلى ساعتين، محذراً من أن هذا التراجع يؤثر سلباً على صحة المرضى ويهدد سلامتهم.
وأضاف أن انقطاع الكهرباء يؤدي أيضاً إلى تأخير مواعيد الغسيل، وقد يضطر المرضى إلى الانتظار حتى ساعات متأخرة من الليل إلى حين عودة التيار وتشغيل الأجهزة، ما يزيد من معاناتهم الجسدية والنفسية، وخاصة أن معظمهم يأتي من مناطق بعيدة عن المشفى ويعاني من صعوبة المواصلات.
وأشار أبو معوض إلى أن معاناة المرضى لا تقتصر على الكهرباء، بل تشمل نقص الأدوية والغذاء والمياه المعدنية، وهي احتياجات أساسية لمرضى الكلى الذين يتطلب وضعهم الصحي نظاماً غذائياً وعلاجياً خاصاً لا تتوفر مقوماته بصورة كافية في القطاع.
تجلط الدم داخل الأجهزة يهدد حياة المرضى
ومن جهتها، بيّنت مريضة الكلى ناهد أبو مسلم جانباً من المخاطر التي تواجه المرضى خلال جلسات الغسيل، موضحة أن انقطاع الكهرباء يؤدي إلى توقف الأجهزة وتجلط الدم الموجود داخل الأنابيب والخراطيم المرتبطة بها.

وقالت: إن عودة التيار الكهربائي لا تعني بالضرورة استئناف الجلسة مباشرة، إذ يتعين على الطواقم الطبية استبدال الإبر والخراطيم التي تجلط الدم داخلها، ما يؤدي إلى فقدان المريض كمية من دمه.
وأضافت أن بعض المرضى يضطرون إلى التوقف عن جلسة الغسيل وعدم استكمالها، فيما يضطر آخرون إلى استئنافها باستخدام مستلزمات جديدة، الأمر الذي يزيد من المخاطر الصحية الناجمة عن فقدان الدم وتكرار انقطاع العلاج.
وأكدت أن توفير الكهرباء بصورة مستمرة ضرورة لحماية حياة المرضى والحفاظ على صحتهم، مناشدة الجهات المعنية العمل على تأمين احتياجات المستشفى بشكل عاجل.
ارتفاع الحرارة يزيد معاناة المرضى
ولا تتوقف معاناة مرضى الكلى عند انقطاع الأجهزة وتأخر جلسات العلاج، بل تمتد إلى الظروف البيئية والصحية داخل المستشفى، في ظل عدم انتظام تشغيل أجهزة التكييف.
وأوضحت أبو مسلم أن توقف أجهزة التكييف يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل أماكن الغسيل، ويزيد من شعور المرضى بالاختناق والإجهاد، وخصوصاً أن بعضهم يعاني اضطرابات في ضغط الدم، ما يجعل تحمل جلسات الغسيل أكثر صعوبة.
دعوات لإدخال الوقود والمستلزمات الطبية
وأمام هذه المخاطر، دعا المتحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية المنظمات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الصحة العالمية، والمجتمع الدولي، إلى ممارسة الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لفتح المعابر وإدخال الزيوت وقطع الغيار اللازمة لصيانة المولدات الكهربائية، إلى جانب توفير مولدات جديدة وأجهزة طبية بصورة عاجلة.
وأكد أن استمرار منع إدخال هذه الاحتياجات يهدد ما تبقى من قدرة المستشفيات على تقديم خدماتها، ويضع المرضى أمام مخاطر لا يمكن تداركها في حال توقف المولدات الكهربائية بشكل كامل.