دمشق-سانا
أكد صحفيون وحقوقيون سوريون أن استهداف النظام البائد للصحافة المستقلة ومراسلي الوكالات الدولية شكّل سياسة ممنهجة للتعتيم على الوقائع، ومنع وصول الحقائق إلى العالم، مشيرين إلى أن ما تعرض له الصحفيون السوريون والدوليون من قتل واختفاء قسري وملاحقة خلال سنوات الثورة يعكس حجم الانتهاكات التي طالت العمل الإعلامي.
وشددوا في تصريحات لـ سانا، بالتزامن مع اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، على أن كشف مصير الصحفيين المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم يمثلان التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يسقط بالتقادم، وخطوة أساسية لمنع تكرار الانتهاكات وضمان سلامة العاملين في المجال الإعلامي.
استهداف ممنهج لحجب الحقائق
أوضح عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصحفيين السوريين براء عثمان أن النظام البائد تعامل مع وسائل الإعلام المستقلة والوكالات الدولية باعتبارها تهديداً مباشراً لروايته، لافتاً إلى أن القيود التي فرضها لم تكن تدابير إدارية أو تنظيمية، بل سياسة ممنهجة للسيطرة على المعلومات ومنع وصول حقيقة ما يجري في سوريا إلى العالم.
وبيّن عثمان أن النظام البائد عمد إلى إغلاق مكاتب القنوات والوكالات، والتضييق على تصاريح العمل ومراقبة المراسلين، وصولاً إلى ملاحقتهم واعتقالهم وتصفيتهم ميدانياً.
كشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين
أكد عثمان أن قضية الصحفي الأمريكي المفقود أوستن تايس، إلى جانب ملفات الإعلاميين السوريين والأجانب المفقودين، لا تقتصر على قضايا إنسانية منفصلة، بل تندرج في إطار قضية أوسع تتعلق بسلامة الصحفيين وحقهم في ممارسة مهنتهم دون خوف أو تهديد.
وشدد على ضرورة إبقاء هذه القضايا حاضرة في الذاكرة الوطنية ومسار العدالة الانتقالية، وألا تسقط بالتقادم أو تختزل في أرقام بالسجلات أو صور للذكرى، استناداً إلى الاتفاقيات والقرارات الدولية التي تحظر استهداف العاملين في المجال الإعلامي.
ولفت عثمان إلى أن معرفة مصير كل صحفي مفقود، وكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، تشكل التزاماً قانونياً وأخلاقياً لا يمكن تجاوزه، مؤكداً أن بناء بيئة إعلامية آمنة في سوريا يتطلب العمل على ثلاثة مسارات رئيسية:
- توثيق الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيون، واعتبارها جزءاً أساسياً من ملف العدالة الانتقالية.
- دعم إجراءات المساءلة القضائية وإجراء تحقيقات شفافة لمحاسبة المسؤولين، بعيداً عن الانتقام.
- إرساء ضمانات تحول دون تكرار الانتهاكات، من خلال تطوير التشريعات الناظمة للعمل الإعلامي، وتعزيز استقلالية المؤسسات الصحفية، وتوفير الحماية القانونية والمهنية للصحفيين، وترسيخ دور الصحافة.
انتهاكات طالت صحفيين دوليين
من جهته، أوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن الانتهاكات التي تعرض لها صحفيون دوليون خلال سنوات الثورة تستند إلى وقائع موثقة، ومن أبرزها:
- مقتل مراسل قناة فرانس 2 جيل جاكيه في حي عكرمة بمحافظة حمص، في كانون الثاني عام 2012، إثر سقوط قذيفة هاون على تجمع لصحفيين أجانب، ليكون أول صحفي غربي يُقتل منذ بدء الثورة السورية.
- مقتل الصحفية الأمريكية ماري كولفين والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، وإصابة المصور البريطاني بول كونروي والصحفية الفرنسية إديث بوفيه بجروح خطيرة، خلال قصف النظام البائد على حي بابا عمرو في محافظة حمص، في شباط عام 2012.
- مقتل الصحفية اليابانية ميكا ياماموتو إثر تعرضها لإطلاق نار مباشر أثناء تغطيتها الاشتباكات في مدينة حلب برفقة الثوار، وهو ما أكدته الخارجية اليابانية بعد نقل جثمانها إلى تركيا.
- وفاة مراسل صحيفة نيويورك تايمز أنطوني شاديد إثر نوبة ربو حادة، أثناء محاولته مغادرة سوريا عبر معابر التهريب، هرباً من ملاحقة أجهزة أمن النظام البائد.
- استمرار تغييب الصحفي الأمريكي أوستن تايس منذ آب عام 2012، دون حسم مصيره حتى اليوم.
وأشار عبد الغني إلى الحكم الغيابي الصادر عن المحكمة الفيدرالية الأمريكية في 30 كانون الثاني عام 2019، بشأن استهداف الصحفيين في حي بابا عمرو بحمص عام 2012، والذي قضى بتعويضات بلغت 302.5 مليون دولار، منها 300 مليون دولار تعويضات عقابية، معتبراً أنه أثبت قانونياً وقوع جريمة قتل خارج نطاق القضاء، استناداً إلى شهادات ووثائق أكدت رصد اتصالات الصحفيين وتصحيح مسار نيران القصف لاستهداف المركز الذي كانوا فيه مباشرة.
وفيما يتعلق بقضية الصحفي الأمريكي أوستن تايس، شدد عبد الغني على أنها تستوفي أركان الاختفاء القسري من الناحية القانونية، لثبوت حرمانه من الحرية وإنكار احتجازه، موضحاً أن الصحفيين مدنيون لا يفقدون الحماية المقررة لهم بسبب تغطيتهم الناقدة أو عدم حصولهم على تصاريح عمل.
ولفت إلى أن حماية الصحفيين تكفلها المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، والقاعدة العرفية 34 الواردة في دراسة القانون الدولي الإنساني العرفي الصادرة عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت عام 2013 يوم الثاني من تشرين الثاني من كل عام يوماً دولياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، بهدف تسليط الضوء على الانتهاكات التي يتعرضون لها، والدعوة إلى ضمان محاسبة المسؤولين عنها.