عواصم-سانا
يثير توقيت إنجاز الواجبات المدرسية تساؤلات لدى كثير من الأسر حول الوقت الأنسب لمساعدة الأطفال على التركيز والتعلم، وما إذا كان إنجازها بعد العودة من المدرسة أفضل من تأجيلها إلى المساء، في ظل ارتباط هذه المسألة بعوامل عدة، منها النوم والساعة البيولوجية والقدرات المعرفية.
وتشير دراسات علمية إلى أن توقيت النشاط الذهني، والنمط البيولوجي للطفل، وجودة نومه، عوامل تؤثر في قدرته على التركيز والتعلم خلال اليوم، ما يساعد الأسر على تنظيم الدراسة بما يتناسب مع احتياجات أبنائها.
اختلاف التركيز خلال اليوم.. متى يكون الذهن أكثر استعداداً؟
لا تبقى قدرة الطفل على الانتباه ثابتة طوال اليوم، إذ تتداخل في تحديدها عوامل عدة، منها مستوى اليقظة والساعة البيولوجية وصعوبة المهمة الذهنية، وأظهرت دراسة أُجريت على أطفال تراوحت أعمارهم بين 10 و12 عاماً، وأعدّها باحثون من قسم دراسات الطفل والمراهق السريرية ومعهد لايدن للدماغ والإدراك بجامعة لايدن في هولندا، اختلافات في الأداء تبعاً لتوقيت الاختبار، ولا سيما في المهام التي تتطلب معالجة ذهنية أكبر.
وتوضح هذه النتائج أن تراجع تركيز الطفل أثناء أداء الواجبات قد يرتبط بالتعب وطول اليوم الدراسي وتوقيت إنجاز المهمة، وليس بالضرورة بضعف قدرته على التعلم، ومن المفيد أن يراقب الأهل الوقت الذي يبدأ فيه الطفل بفقدان انتباهه، وأن ينظموا أوقات الدراسة وفقاً لاستجابته، مع إتاحة فواصل قصيرة للراحة عند ظهور علامات الإرهاق.
الساعة البيولوجية والتحصيل
يرتبط الاستعداد للتعلم أيضاً بالنمط البيولوجي، الذي يجعل بعض الأشخاص أكثر نشاطاً في الصباح، فيما يميل آخرون إلى اليقظة في وقت متأخر من اليوم.
وأظهرت مراجعة منهجية أعدّها باحثون من قسم علم النفس بجامعة ترير في ألمانيا، وشملت 26 دراسة ارتباطاً بين الميل الصباحي والتحصيل الدراسي الأفضل، مقابل ارتباط الميل المسائي بتحصيل أقل في بعض السياقات.
وفي دراسة أعدها باحثون من جامعة توركواتو دي تيلا والمجلس الوطني للبحوث العلمية والتقنية في الأرجنتين، تم استعراض العلاقة بين النمط البيولوجي وتوقيت بدء الدوام المدرسي والتحصيل، حيث وجد الباحثون أن توافق موعد الدراسة مع النمط الزمني للطلاب يرتبط بالأداء الأكاديمي، مع بروز هذه العلاقة في مادة الرياضيات.
وتبرز هذه النتائج أهمية مراعاة الاختلافات الفردية في أوقات النشاط واليقظة عند تنظيم الدراسة، بدلاً من اعتماد توقيت واحد لجميع الأطفال.
هل لكل مادة دراسية وقتها المثالي؟
يختلف الأداء الدراسي باختلاف طبيعة المهمة الذهنية وتوقيت تنفيذها، فقد أظهرت دراسة أُجريت عام 2024 على أطفال من الصفين الثالث والرابع، وأعدّها باحثون من جامعات كويمبرا وبيرا إنتريور ولوسوفونا في البرتغال، أن أداء الأطفال في مهمة للطلاقة اللفظية التناوبية، التي تتطلب الانتقال بين فئات مختلفة من الكلمات، كان أفضل صباحاً مقارنة بفترة ما بعد الظهر.
وتساعد هذه النتائج الأهل على اختيار الأوقات التي يكون فيها الطفل أكثر استعداداً للمهام التي تتطلب تركيزاً أكبر، مثل فهم الدروس الجديدة وحل المسائل، وتخصيص أوقات أخرى للمراجعة والتدريب، كما تسهم متابعة أدائه في القراءة والحساب والكتابة في تحديد جدول يومي يناسب احتياجاته التعليمية.
النوم والواجبات المنزلية.. كيف ينعكس تنظيم الوقت على التعلم؟
يمثل النوم أحد العوامل المهمة المرتبطة بالأداء المعرفي والتحصيل الدراسي لدى الأطفال، فقد أظهر تحليل تلوي أعدّه باحثون من المعهد الهولندي لعلوم الأعصاب وجامعتي لايدن وإيراسموس روتردام في هولندا، وجود ارتباط إيجابي بين مدة النوم والأداء المعرفي لدى الأطفال في سن المدرسة.
وفي دراسة أعدها باحثون من كلية الصحة العامة بجامعة شنغهاي جياو تونغ في الصين تم بحث العلاقة بين جدول الواجبات المنزلية والنوم، حيث أظهرت ارتباط زيادة أعباء الواجبات بتأخر موعد النوم وقصر مدته خلال أيام الدراسة.
ومن جهة أخرى، أظهرت مراجعة منهجية أُجريت عام 2024، أعدّها باحثون من جامعة لانتشو وجامعة شنغهاي للطب الصيني التقليدي في الصين، إمكانية إسهام الواجبات المنزلية في دعم بعض جوانب التحصيل لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية، ولا سيما في الحساب وحل المسائل.
وتؤكد هذه النتائج أهمية تنظيم الدراسة بما يتيح للطفل إنجاز مهامه في وقت مناسب، مع المحافظة على الراحة والنوم الكافي، ويمكن للأهل وضع جدول يومي مرن يراعي موعد عودة الطفل من المدرسة، ووقت راحته، ومستوى تركيزه، وطبيعة الواجبات المطلوبة منه، بما يجعل الدراسة أكثر انسجاماً مع احتياجاته اليومية.