حمص-سانا
تواصل نساءٌ على طريق برشين في ريف حمص الحفاظ على حرفة خبز التنور التقليدية، التي تجاوزت كونها مهارةً متوارثة لتصبح مصدر رزق يساعدهن في تأمين احتياجات أسرهن.

واستمدت النساء خبرتهن من الأمهات والجدات، فيما يقصدهن الزبائن بحثاً عن نكهة الخبز المخبوز على الحطب، ورائحته المتصاعدة من التنور، ومذاقه الذي تحتفظ به ذاكرة الريف السوري جيلاً بعد آخر.
نكهة الحطب تجذب الزبائن
وأوضحت كوكب إبراهيم، صاحبة أحد أفران التنور على طريق برشين، في تصريح لـ سانا اليوم الجمعة، أنها تعمل في إعداد خبز التنور منذ نحو 20 عاماً لتأمين احتياجات أسرتها، مشيرة إلى أن زبائنها يأتون من حمص ودمشق ومناطق أخرى، ويعود بعضهم لشراء الخبز مجدداً، لما يتميز به من مذاق طيب ورائحة الحطب التي تمنحه نكهة خاصة، فضلاً عن اختلافه عن خبز الأفران التقليدية من حيث الطعم والرائحة.

ولفتت الى أن العمل بالتنور لا يقتصر على إعداد الأرغفة، بل يشمل تحضير أنواع متعددة من الفطائر والمناقيش بحسب طلبات الزبائن، ومنها فطائر الجبنة والقشقوان والمحمرة والزعتر والقريشة، ما يتيح تنويع المنتجات وتلبية أذواق الزبائن.
إرث عائلي ومصدر دخل
بدورها، بيّنت سحر إبراهيم المعروفة بأم عذاب في تصريح مماثل، أنها تعلمت حرفة خبز التنور من والدتها، وأصبحت تعتمد عليها في تأمين معيشتها، مشيرة إلى أنها تعمل صيفاً وشتاءً، مع زيادة الإقبال خلال فصل الصيف، وأن التنور يشكل مصدر رزق أساسياً لأسرتها.
وتلفت أم عذاب إلى أن الظروف المعيشية وارتفاع التكاليف يفرضان صعوبات على العاملات في هذه الحرفة، لكنها تواصل العمل لتلبية طلبات الزبائن والحفاظ على مصدر دخل أسرتها.
التنور.. تراث يواجه التحديات

ومن بين زبائن خبز التنور، يقول نادر محرز: إنه يحرص على التوقف عند أحد أماكن بيعه خلال مروره بالطريق لشراء خبز التنور ومناقيش الزعتر والجبنة، مبيناً أن الخبز المجهّز على الحطب يتميز بنكهة خاصة ورائحة محببة يكتسبها من طريقة إعداده.
ويستعيد محرز ذكرياته مع التنور في قريته، حيث كانت والدته تستخدمه لخبز “الكماج” وإعداد الطعام في أوانٍ فخارية، لافتاً إلى أن أطباقاً مثل الفاصولياء والبامية والمجدرة كانت تُحضّر على الحطب، في صورة تعكس حضور التنور في تفاصيل الحياة الريفية قديماً، بوصفه وسيلة لإعداد الخبز والطعام معاً.

وتواجه العاملات في هذه الحرفة تحديات تتعلق بتأمين الحطب وارتفاع أسعار المواد المستخدمة في إعداد الفطائر، كالزيت والجبنة والزعتر، الأمر الذي يزيد تكاليف الإنتاج ويضاعف الأعباء المترتبة عليهن، في ظل سعيهن إلى المحافظة على استمرارية العمل وتلبية احتياجات الزبائن.
ويُعد التنور الذي يعمل بالحطب من وسائل الخبز التقليدية التي ارتبطت بالحياة الريفية في سوريا، إذ شكّل على مدى أجيال جزءاً من العادات المنزلية والموروث الغذائي، وتم استخدامه في إعداد الخبز وأنواع من المأكولات الشعبية، ومع انتشار الأفران الحديثة وتغير أنماط الحياة، لا تزال بعض الأسر تحافظ على هذه الحرفة، بينما تحولت لدى نساء إلى مصدر دخل يجمع بين الاستفادة من الخبرة المتوارثة، والحفاظ على مذاق تقليدي ما زال يحظى بإقبال الزبائن.



