عواصم-سانا
قد تبدو الجامعة بداية مرحلة مليئة بالحرية والصداقات والفرص الجديدة، لكنها تحمل تحديات قد لا يستعد لها الطلاب بما يكفي، بدءاً من الابتعاد عن الأسرة وصعوبة التأقلم، وصولاً إلى ضغط الامتحانات واضطراب النوم ومسؤوليات الحياة اليومية.
ولا يعني التعثر في الأسابيع الأولى اختيار التخصص الخطأ أو عدم القدرة على النجاح، فقد يكون جزءاً من الانتقال إلى مرحلة تتطلب استقلالية أكبر وتنظيماً للوقت وقدرة على التعامل مع متطلبات جديدة.
وتشير دراسات علمية إلى أن التأقلم مع الحياة الجامعية يرتبط بعوامل عدة، منها جودة النوم والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية وأساليب الدراسة، ما يجعل الاستعداد لهذه المرحلة مهماً بقدر الاستعداد الأكاديمي.
النوم جزء من الاستعداد للنجاح
قد يظن بعض الطلاب أن السهر لساعات طويلة أفضل وسيلة للاستعداد للامتحانات، إلا أن قلة النوم قد تؤثر في التركيز والذاكرة والتعلم.
وأظهرت دراسة أجراها فريق بحثي من عدة جامعات أمريكية، بينها جامعة كارنيغي ميلون وجامعة بيتسبرغ، ونُشرت في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS)، أن زيادة متوسط مدة النوم الليلي في بداية الفصل الدراسي ارتبطت بارتفاع المعدل الدراسي في نهايته، حتى بعد أخذ الأداء الأكاديمي السابق في الحسبان، وارتبطت كل ساعة إضافية من النوم بزيادة قدرها 0.07 نقطة في المعدل وفق مقياس الدراسة.
كما استعرضت مراجعة علمية أعدتها ديانا آر. بيريرا من جامعة مينهو البرتغالية، ونُشرت في مجلة «Clocks & Sleep» في آب 2026، نتائج 21 دراسة حول النوم والتحصيل العلمي لدى طلاب السنة الجامعية الأولى، وخلصت إلى أن النوم لفترات أقصر، ولا سيما أقل من ست إلى سبع ساعات ليلاً، ارتبط عموماً بأداء أكاديمي أضعف.
ويساعد تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ، وتقليل استخدام الهاتف قبل النوم، والاتفاق مع زملاء السكن على أوقات الهدوء، في توفير ظروف أفضل للراحة والاستعداد للدراسة.
الحنين إلى المنزل لا يعني اختيار الجامعة الخطأ
قد يشعر الطالب بالوحدة أو الاشتياق إلى أسرته وأصدقائه، ولا سيما إذا انتقل إلى مدينة أخرى أو ابتعد عن المنزل للمرة الأولى، لكن هذه المشاعر لا تعني بالضرورة فشل تجربته الجامعية.
وتابعت دراسة نُشرت في مجلة «Emotion»، وأعدها باحثون من جامعات واشنطن في سانت لويس وتمبل وهارفارد وستانفورد الأمريكية، مستويات الحنين إلى المنزل لدى 174 طالباً جامعياً خلال الأسابيع العشرة الأولى من دراستهم، وأظهرت النتائج أن 94 بالمئة من المشاركين شعروا بالحنين في مرحلة ما، وأن مستوياته انخفضت قليلاً في المتوسط خلال الفصل الأول، مع اختلاف التجربة من طالب إلى آخر.
ويمكن تخفيف صعوبة هذه المرحلة بالمشاركة في الأنشطة الجامعية والتعرف إلى زملاء جدد، مع الحفاظ على التواصل مع الأسرة وتجنب الانعزال، وإذا استمر الحزن أو الشعور بالوحدة وأثّر في الحياة اليومية، فمن المفيد طلب الدعم من المرشدين أو المختصين.
أساليب الدراسة الفعالة في الجامعة
وتختلف متطلبات الدراسة الجامعية عن المدرسة، إذ يتحمل الطالب مسؤولية أكبر في تنظيم وقته وتحديد احتياجاته التعليمية، وقد يحتاج إلى تعديل أساليب دراسته حتى لو كان متفوقاً سابقاً.
وبحثت دراسة نُشرت في مجلة «Physical Review Physics Education Research» التغيرات في أساليب الدراسة وطلب الدعم لدى طلاب مساق تمهيدي في الفيزياء خلال انتقالهم من المدرسة الثانوية إلى الجامعة، وأعد الدراسة ديفين شيفر ودانييلا جيروتي-هيرنانديز وتيم ستيلزر من قسم الفيزياء في جامعة إلينوي أوربانا-شامبين الأمريكية.
وأظهرت النتائج أن كثيراً من الطلاب أدركوا حاجتهم إلى تخصيص وقت أطول للدراسة خارج المحاضرات، وأن زيادة عدد التمارين وحدها لا تكفي دائماً لتحسين الأداء، بل يفيد التعمق في فهم المادة.
ومن المفيد تقسيم المقررات إلى مهام صغيرة، والبدء بالتحضير للامتحانات مبكراً، والاستفسار من الأساتذة عن النقاط غير الواضحة، والاستفادة من مجموعات الدراسة ومراكز الدعم الأكاديمي، بدلاً من انتظار تراكم الواجبات وازدياد الضغط.
الاستقلالية تحتاج إلى إدارة جيدة للحياة اليومية
وتشير إرشادات التوعية الطلابية المنشورة على الموقع الرسمي لجامعة آيوا الشمالية الأمريكية إلى أن الحياة الجامعية تمنح الشباب مساحة أوسع لاتخاذ القرارات وتنظيم الوقت، لكنها تتطلب الانتباه إلى تأثير العادات اليومية في الصحة والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
فالسهر المتكرر وإهمال الوجبات وتأجيل الواجبات قد تتراكم آثارها، كما أن ضغط الأصدقاء لا ينبغي أن يدفع الطالب إلى سلوكيات لا يرغب فيها أو لا يشعر بالأمان تجاهها.
ومن المهم أن يتعلم الطالب تحديد أولوياته، واحترام خصوصيته وخصوصية الآخرين، والتخطيط لوقته ونفقاته، والابتعاد عن المواقف التي تهدد سلامته، فالاستقلال لا يعني التصرف دون تفكير، بل اتخاذ قرارات واعية وتحمل نتائجها.
الجامعة تجربة للتعلم خارج قاعات الدرس
لا تقتصر الحياة الجامعية على المحاضرات والامتحانات، بل تشمل تعلم الاستقلال وإدارة الوقت وبناء العلاقات والتعامل مع الإخفاقات، وقد لا تسير التجربة وفق التوقعات منذ أيامها الأولى، لكن منح النفس وقتاً للتأقلم، والمحافظة على عادات صحية، والاستفادة من الدعم المتاح، يمكن أن تجعل الانتقال أكثر سهولة.
فالنجاح الجامعي لا يعني غياب الصعوبات، بل القدرة على التعلم منها والتعامل معها تدريجياً، مع إدراك أن لكل طالب إيقاعه الخاص في بناء تجربته وتحديد أهدافه.