بكين-سانا
تتسارع خلال عام 2026 المؤشرات على أن الصين تعمق مسارها نحو بناء منظومة مالية موازية للنظام المالي الغربي، عبر توسيع استخدام اليوان الرقمي، وتعزيز نظام المدفوعات عبر الحدود “CIPS”، يقلل اعتمادها على الدولار والبنية المالية الغربية، في إطار ما تصفه تقارير غربية بـ”الحرب المالية الصامتة”، لإعادة تشكيل موازين النفوذ الاقتصادي العالمي.
وتكشف تقارير حديثة لوكالات دولية بينها “رويترز” و”بلومبرغ”، عن انتقال هذه الاستراتيجية من الإطار النظري إلى خطوات تنفيذية تشمل البنوك، الإنفاق الحكومي، والمعاملات العابرة للحدود.
توسع داخلي وضغط نحو العالمية
أفادت وكالة رويترز في تقرير لها أمس السبت، بأن بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) كثف خلال 2026 استخدام أدوات غير مباشرة لدفع البنوك المحلية إلى توسيع تداول اليوان الرقمي، عبر حوافز وتوجيهات تشمل مجالات متعددة من الإنفاق الحكومي إلى رسوم الكهرباء الخضراء واليانصيب.
وبحسب التقرير، تضغط السلطات الصينية على البنوك لتعزيز استخدام اليوان الرقمي في المعاملات عبر الحدود، وخصوصاً ضمن مسارات “مبادرة الحزام والطريق”، مع تطوير أدوات مالية مثل القروض وخطابات الاعتماد والسندات لدعم هذا التوجه.
كما نقلت”رويترز” أن الصين بدأت السماح للبنوك بدفع فوائد على حيازات اليوان الرقمي، في تحول يعد خطوة مهمة نحو تعزيز جاذبية العملة الرقمية داخل النظام المالي المحلي.
ووفق بيانات رسمية نقلتها الوكالة، بلغت المعاملات التراكمية باليوان الرقمي نحو 16.7 تريليون يوان حتى نوفمبر 2025، ما يعكس توسعاً تدريجياً في الاستخدام رغم محدودية الانتشار العالمي مقارنة بالدولار.
CIPS والتمويل الدولي.. بناء قنوات موازية
في موازاة ذلك، تشير تقارير بلومبرغ إلى أن الصين توسع نطاق استخدام نظام المدفوعات عبر الحدود CIPS، ليشمل قطاعات أوسع من التجارة والتسويات المالية، وخصوصاً في إفريقيا وآسيا.
وبحسب بلومبرغ، تدرس مؤسسات مالية أفريقية كبرى الانضمام إلى منظومات تسوية قائمة على اليوان، في ظل نمو التجارة مع الصين، ما يعكس توسع النفوذ المالي الصيني خارج منظومة “SWIFT” التقليدية.
وتضيف التقارير: إن بكين تعمل على ربط CIPS بمشاريع “الحزام والطريق”، لتسهيل تسويات التجارة باليوان، في خطوة تقرأ ضمن مسار طويل لتدويل العملة الصينية.
نموذج مبكر لاعتماد اليوان في الاقتصاد الحقيقي
وفي سياق متصل، كشفت تقارير منشورة مطلع 2026 أن زامبيا أصبحت أول دولة أفريقية تعتمد اليوان الصيني رسمياً في قطاع التعدين، حيث بدأت بقبول الضرائب والإتاوات بالعملة الصينية.
ووفق تقرير نشر عن بيانات البنك المركزي الزامبي، فإن هذه الخطوة جاءت ضمن استراتيجية لتنويع الاحتياطيات وتقليل تكلفة خدمة الديون، في وقت تعد فيه الصين الشريك التجاري الأكبر لزامبيا في قطاع النحاس.
ويرى مراقبون أن التجربة الزامبية تمثل نموذجاً عملياً لتوسع استخدام اليوان خارج الصين، وخصوصاً في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالموارد الطبيعية.
بين العقوبات والجغرافيا السياسية
تربط تقارير رويترز بين هذا التوسع وبين التحولات الجيوسياسية منذ 2022، وخصوصاً بعد العقوبات الغربية على روسيا، والتي دفعت دولاً كبرى إلى البحث عن قنوات دفع بديلة أقل عرضة للهيمنة الأمريكية.
وتشير تقارير القطاع المالي، إلى أن هذه التطورات تعكس رغبة صينية في بناء نظام مالي قادر على ضمان استمرار التدفقات التجارية حتى في حالات الصدمات الجيوسياسية.
حدود التحول.. الدولار لا يزال المهيمن
رغم هذا التوسع، تؤكد تقارير رويترز وبلومبرغ أن CIPS واليوان الرقمي لا يزالان في مرحلة نمو، وأن الاعتماد على البنية الغربية، بما فيها “SWIFT”، لم يكسر بعد بشكل كامل.
وتشير التحليلات، إلى أن الصين تتحرك ضمن استراتيجية تدريجية تقوم على بناء بدائل موازية، وليس استبدالاً مباشراً للنظام المالي العالمي القائم.
وبين اليوان الرقمي وCIPS واعتماد العملة الصينية في أسواق ناشئة مثل زامبيا، تبدو الصين وكأنها ترسم بهدوء خريطة مالية موازية تمتد خارج حدود النظام الغربي التقليدي.
لكن رغم تسارع الخطوات، يبقى المشهد أقرب إلى “إعادة توزيع النفوذ المالي” منه إلى تغيير جذري فوري، في معركة طويلة حول من يملك البنية التحتية لحركة الأموال في العالم.