دمشق-سانا
يرى خبراء قانونيون وأمنيون أن تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمنع الجريمة والعدالة الجنائية 2026–2031 وإنشاء آليات التنسيق الوطنية لمكافحة الجريمة المنظمة خلال 12 شهراً، يتطلبان العمل على خمسة مسارات متوازية تشمل التشريع والمؤسسات، والتنسيق والمعلومات، والتحقيقات والأدلة الرقمية، والوقاية وحماية الحقوق، والتنفيذ والقياس.
وذكر الخبراء في تصريحات لـ سانا أن تحويل الإستراتيجية وآليات التنسيق إلى إجراءات عملية يتطلب تحديد مسؤوليات الجهات وصلاحياتها، وسد الثغرات التشريعية، وتوحيد قواعد البيانات والمعلومات، وتطوير القدرات البشرية والتقنية، إلى جانب اعتماد مؤشرات واضحة لقياس النتائج.
وكان وزير الداخلية أنس خطاب أعلن هذه الالتزامات في الـ 26 من أيلول الجاري، خلال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في أبو ظبي، موضحاً أن الإستراتيجية تتضمن تعزيز سيادة القانون، وتطوير مؤسسات إنفاذ القانون، ومراجعة التشريعات، وحماية الضحايا والشهود، وتحسين الوصول إلى المساعدة القانونية.
وتشمل الالتزامات كذلك إنشاء آليات تنسيق وطنية لمكافحة الجريمة المنظمة خلال 12 شهراً، وتعزيز التنسيق مع الجهات الوطنية المعنية بالعدالة الانتقالية والمفقودين، وتطوير القدرات في الأدلة الرقمية والتحقيقات المالية والجنائية ومكافحة الجرائم السيبرانية.
المسار الأول: التشريع والمؤسسات.. تأسيس الإطار القانوني والتنفيذي
يرى المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان معتصم الكيلاني أن تنفيذ الإستراتيجية يحتاج إلى خطة واضحة تحدد مسؤولية كل جهة وصلاحياتها، وتنظم آليات تبادل المعلومات وحماية الخصوصية، وتضع قواعد للشكاوى والرقابة والمساءلة.
ويشير الكيلاني إلى أهمية أن تقترن مكافحة المخدرات والاتجار بالأشخاص والجرائم السيبرانية بتطوير التحقيقات المالية والأدلة الرقمية وحماية الضحايا والشهود، مع تعزيز الرقابة القضائية وإجراء تحقيقات مهنية وقياس النتائج بصورة دورية.
ويضع الباحث السياسي والقانوني فراس حاج يحيى مراجعة التشريعات ضمن المتطلبات الأساسية، بما يشمل قانون العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية وتشريعات الجرائم المعلوماتية والاتجار بالأشخاص والمخدرات وغسل الأموال والأسلحة، إضافة إلى قوانين التعاون القضائي الدولي واسترداد العائدات الجرمية.
ويرى حاج يحيى أن تطور الاحتيال الإلكتروني والأصول الرقمية والشبكات العابرة للحدود يفرض تقييم النصوص القائمة وسد الثغرات، إلى جانب تحديد مسؤوليات المؤسسات وتأمين الموازنات وبرامج التدريب وإنشاء نظام موحد للمعلومات الجنائية ومؤشرات واضحة لقياس النتائج.
المسار الثاني: التنسيق والمعلومات.. حين تصبح المعلومة أساساً للمواجهة
ويشدد حاج يحيى على أن آليات التنسيق الوطنية تحتاج إلى نص قانوني منشور يحدد تشكيلها وصلاحياتها وعلاقتها بالقضاء والنيابة العامة وأجهزة إنفاذ القانون، مع الفصل بين وضع السياسة العامة والتنسيق الأمني والتحقيق القضائي، لمنع تداخل الاختصاصات.
ويرى الخبير الأمني عصمت العبسي أن آليات التنسيق يمكن أن تجمع الوزارات والسلطات القضائية وأجهزة إنفاذ القانون والمجتمع المدني والأكاديميين، بهدف توحيد البيانات وتحديد الأولويات المشتركة، بدلاً من العمل القطاعي المنفصل.
ويشير العبسي إلى أهمية إنشاء قاعدة بيانات جنائية موحدة وآمنة وغرف عمليات مشتركة، مع بروتوكولات لتصنيف المعلومات وتحديد مستويات الوصول إليها، بما يوازن بين سرعة تبادل البيانات وحمايتها.
ويشمل المسار أيضاً تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات عبر القنوات القانونية، والاستفادة من آليات الإنتربول والمساعدة القانونية المتبادلة.
ويتقاطع ذلك مع مشاركة وزارة الداخلية في اجتماع إقليمي بالقاهرة خلال أيلول الجاري لبحث إستراتيجية عربية لمواجهة الجريمة المنظمة، تناولت محاور الوقاية والملاحقة والحماية وتعزيز الشراكات.
المسار الثالث: التحقيقات والأدلة الرقمية.. كيف تُحفظ قوتها أمام القضاء؟
يعتبر حاج يحيى أن الأدلة الرقمية تتطلب قواعد تضمن سلامتها منذ ضبطها وحتى عرضها أمام المحكمة، وتوثيق عمليات النسخ والنقل والوصول إليها، مع تمكين الدفاع من فحصها ومناقشة طريقة استخراجها.
كما يتطلب ذلك تحديد الحالات التي تستوجب إذناً قضائياً، وتنظيم تبادل المعلومات من خلال بروتوكولات تحدد غرض استخدامها والأشخاص المخولين بالوصول إليها ومدة الاحتفاظ بها ومسؤولية إساءة استخدامها.
ويرى العبسي أن تطوير التحقيقات المالية والأدلة الرقمية يساعد على تتبع مصادر تمويل الشبكات الإجرامية ومسارات غسل الأموال وتوفير أدلة قابلة للاستخدام أمام القضاء، بالتوازي مع تطوير الكوادر والبنية التقنية.
المسار الرابع: الوقاية وحماية الحقوق.. من ملاحقة الجريمة إلى منعها
يرى حاج يحيى أن فعالية مكافحة الجريمة ترتبط بحماية حقوق المتهمين، عبر الرقابة القضائية وقرينة البراءة وحضور المحامي وحظر التعذيب والإكراه وضمان حق الدفاع ومناقشة الأدلة.
وتشمل المتطلبات حماية الضحايا والشهود من خلال صون الخصوصية وسرية البيانات وتقييم المخاطر والحماية المادية والرقمية، وإمكان استخدام الشهادة عن بُعد عند الضرورة، إلى جانب توفير المساعدة القانونية منذ المراحل الأولى للإجراءات.
ويؤكد العبسي أن تنفيذ الإستراتيجية يتطلب الانتقال من ملاحقة الجريمة بعد وقوعها إلى الوقاية منها، عبر دراسة أسبابها ومعالجة عواملها الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز أدوار التعليم والشباب والأسرة والمجتمع المدني.
المسار الخامس: التنفيذ والقياس.. عام الاختبار وتحويل الأهداف إلى نتائج
يمثل إنشاء آليات التنسيق الوطنية خلال 12 شهراً أحد المسارات التنفيذية المباشرة للإستراتيجية، ويتطلب، وفق المستشار القانوني علي رشيد الحسن، تحديد الأدوار والصلاحيات، ووضع قواعد تبادل المعلومات، وتطوير القدرات والأنظمة التقنية، وربط الأداء بمؤشرات قابلة للقياس.
ويرى أن أهمية الإستراتيجية لا تكمن في امتدادها حتى عام 2031 وإنما في قدرتها على إحداث أثر ملموس في أمن المواطن وسرعة حصوله على العدالة وحماية حقوقه وممتلكاته، وتعزيز ثقته بمؤسسات الدولة.
ويشير الحسن إلى أن نتائجها يجب أن تترجم إلى قدرة أكبر على الوقاية من الجريمة قبل وقوعها، والاستجابة الأسرع للبلاغات والشكاوى، وتحقيقات أكثر كفاءة، وحماية أفضل للضحايا والشهود، وملاحقة أكثر فاعلية للشبكات الإجرامية ضمن إطار قانوني يحفظ الحقوق والحريات.
بدوره، يؤكد الكيلاني أن قياس النتائج لا يرتبط بعدد الموقوفين أو الأحكام فقط، بل بانخفاض الجريمة والعود إليها، وسرعة الفصل في القضايا، وسلامة الأدلة، وحماية الشهود والضحايا، وتغطية المساعدة القانونية وتحسن التنسيق وثقة المواطنين.
ويرى حاج يحيى أن هذه النتائج تحتاج إلى تقارير دورية وشفافة تقارن الأداء بأهداف ومؤشرات محددة مسبقاً، بما يحول الإستراتيجية من إطار عام إلى منظومة وطنية متكاملة للوقاية من الجريمة وملاحقتها وحماية الحقوق.