القنيطرة-سانا
لم يكن يوم الحادي عشر من آب عام 2025 يوماً عادياً في حياة عائلة كنان بكر من قرية طرنجة بريف القنيطرة، بل شكّل محطة قلبت استقرار الأسرة رأساً على عقب، وألقت عليها ظلالاً ثقيلةً من القلق والوجع، إثر اعتقاله من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، لتبدأ العائلة منذ ذلك الحين مواجهة يومية مع مرارة الغياب والظروف المعيشية القاسية.

عن تفاصيل ذلك اليوم تقول والدة كنان، هدى علي بكر، لمراسل سانا: إن عشرات من جنود الاحتلال اقتحموا المنزل عند الساعة الثانية فجراً، وسط إطلاق قنابل صوتية أثارت الذعر والهلع بين الأطفال وبقية أفراد الأسرة.
وتضيف: “كان الجنود يصرخون بنبرة تهديد: كنان بكر اخرج.. كنان بكر اخرج، واستجوبوا الأطفال وسألوهم عن وجود أسلحة، كما فتشوا المنزل وعبثوا بمحتوياته، دون أن يعثروا على أي شيء”.
وتتابع مستذكرة تلك اللحظات القاسية: “اقتاد جنود الاحتلال كنان معصوب العينين إلى مكان قريب، ثم أعادوه إلى المنزل وانهالوا عليه بالضرب على رأسه أمامنا، وبعدها صادروا الهواتف المحمولة وغادروا بعدما اعتقلوه”.
الفقد وغياب المعيل
كان كنان الابن الأكبر في الأسرة ومعيلها الأساسي، وعُرف بعمله الدؤوب في الزراعة ورعي الأغنام لتأمين قوت يومهم، ومنذ اعتقاله، ترك غيابه فراغاً كبيراً في تفاصيل الحياة اليومية للعائلة.
وتوضح والدته بمرارة: كنان متزوج ولديه ولدان وبنت كان عمرها شهراً واحداً فقط عند اعتقاله…غيابه أثر كثيراً على العائلة، وتدهور وضعي الصحي بشكل حاد بسبب الحزن والصدمة، حيث أُصبت بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم وتعرضت لجلطة قلبية.
وتضيف: “لا يزال كنان حاضراً في كل تفاصيل حياتنا، حتى إن هناك أكلات يشتهيها الأطفال لم أعد أعدها لأنه كان يحبها كثيراً، فنحن نفتقده في كل لحظة”.
وإلى جانب الأثر النفسي، تضاعفت الأعباء المعيشية على الأسرة بشكل كبير، ولا سيما بعد اكتشاف إصابة زوجته (أم مناف) بمرض السرطان عقب اعتقاله، حيث باتت العائلة تعتمد على مساعدات أهل الخير لتأمين تكاليف العلاج المرتفعة، فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها الجدة المسنة في متابعة تعليم الأطفال، والعجز عن تأمين مدرسين لتدريسهم بسبب التكلفة المادية في ظل غياب المعيل.
مصير مجهول

وفيما يتعلق بمصيره، يشير شقيقه عبد الرزاق بكر إلى عدم وجود أي معلومات رسمية أو مؤكدة حول مكان احتجازه أو وضعه الصحي، باستثناء خبرٍ غير مؤكد نقله أحد المفرج عنهم من معتقلات الاحتلال يفيد بأن كنان بخير.
ويعرب عبد الرزاق عن القلق الذي يلازم الأسرة قائلاً: “أكثر ما يقلقني هو غياب المعلومات، فعندما لا يعرف الإنسان شيئاً عن أخيه يبدأ بالتفكير في أمور مقلقة، وتنتابه مخاوف كثيرة”.
ويوضح عبد الرزاق أن أهالي المنطقة يواجهون ظروفاً صعبة جراء ممارسات قوات الاحتلال، مشيراً إلى استمرار التوغلات في القرى، واقتحام المنازل، وإقامة الحواجز، والاستيلاء على المواشي وتجريف الأراضي، ما يحرم العديد من الأسر من مصادر رزقها.
ويلفت إلى تمسك الأهالي بأرضهم رغم تلك الظروف، مؤكداً: “مهما بلغت وحشية الاحتلال فلن نترك أرضنا، ونحن صامدون فيها، ولن نخرج منها حتى لو كان الثمن أرواحنا”.
مناشدة للإفراج عن المعتقلين
تناشد عائلة كنان بكر المجتمع الدولي وكل جهة قادرة على المساعدة الوقوف إلى جانب أهالي القنيطرة وجنوب سوريا، والعمل للضغط على الاحتلال الإسرائيلي للإفراج عن أبنائهم المعتقلين ليعودوا إلى عائلاتهم وأطفالهم.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أكد خلال مؤتمر صحفي مع نظيره الدنماركي لارس لوكه راسموسن أن قوات الاحتلال نفذت 147 عملية اعتقال منذ مطلع العام حتى أيلول الماضي، مشيراً إلى أنه لا يزال 49 معتقلاً قيد الاحتجاز.
ولا تعرف عائلات المعتقلين شيئاً عن مصير أبنائها أو أماكن احتجازهم، بينما ينظم الأهالي وقفات احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة في منطقة المزة بدمشق، للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم والكشف عن مصيرهم.



