دمشق-سانا
تتواصل في سوريا جهود تطوير إنتاج البذار المحلية وتحسين أصنافها، بهدف دعم الزراعة وتخفيض تكاليف الإنتاج وتقليل الاعتماد على المستورد، عبر تأهيل منشآت الإكثار والاستفادة من الموارد الوراثية والخبرات البحثية لتوفير أصناف ملائمة للبيئة السورية.
ولا يقتصر تطوير هذا القطاع على توفير كميات كافية من البذار، بل يشمل تحسين جودتها وإنتاجيتها، وانتقاء أصناف تتحمل الجفاف والأمراض، وربط البحث العلمي باحتياجات المزارعين وظروف المناطق الزراعية المختلفة.
جودة البذار.. ما الذي يحدد الإنتاجية في الحقول؟
يرى المهندس الزراعي غسان رستم أن إنتاج البذار محلياً يعزز الأمن الزراعي ويحد من الاستيراد، مشيراً إلى وجود شركات سورية متخصصة في إنتاج بذار الخضراوات المحلية.
وأوضح أن معايير الجودة تشمل النقاوة الوراثية وثبات الصفات وتجانسها، والنقاوة الفيزيائية والخلو من الشوائب، والسلامة الصحية والرطوبة المناسبة للتخزين، والقدرة على تحمل الإجهادات البيئية.
وأضاف أن الإنتاجية لا تعتمد على البذار وحدها، بل تتطلب تكامل جودة التربة والري والتسميد والإدارة الزراعية والمكافحة، مؤكداً أهمية اختبار الأصناف في ظروف مناخية وحقلية مختلفة، ومقارنة إنتاجيتها واحتياجاتها المائية لتحديد الأنسب لكل منطقة.
”إيكاردا”.. من 1625 كيلوغراماً إلى مئات الأطنان بحلول 2027
يمثل المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا” أحد المكونات البحثية المهمة في تطوير البذار، إذ تسهم موارده الوراثية وبرامج تحسين المحاصيل في استنباط أصناف ملائمة للبيئة السورية وأكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
ورغم تضرر منشآت البنك الوراثي التابع للمركز في ريف حلب خلال السنوات الماضية، وفقدان المعدات والمجموعة الأصلية المخزنة فيه، حافظت المنظمة على مواردها الوراثية عبر نسخ احتياطية أودعتها في بنوك دولية.
وفي إطار استعادة منظومة البذار، يعمل “إيكاردا”، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة”فاو”، وبدعم من الحكومة البريطانية، على توفير بذار محسّنة وربط المزارعين بمنظومة الإكثار المعتمدة.
وشملت المبادرة، وفق “إيكاردا”، توفير 1625 كيلوغراماً من البذار الأولية للحبوب والبقوليات، وإنشاء سبعة حقول لإكثار البذار في محطات بحثية تابعة للمركز والهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية والمؤسسة العامة لإكثار البذار.
كما أُسست أربع جمعيات في حلب وحماة وحمص، تضم 49 مزارعاً يعملون على نحو 200 هكتار لإنتاج بذار قمح معتمدة من أصناف مطوّرة محلياً، مع استهداف إنتاج مئات الأطنان بحلول عام 2027.
البطاطا.. أربع مراحل لإنتاج البذار محلياً
بلغ إنتاج المشروع الوطني لإنتاج بذار البطاطا عام 2025 نحو 3265 كيلوغراماً في البيوت الزجاجية، و498 طناً في البيوت الشبكية، و1268 طناً في الحقول المفتوحة، وفق المؤسسة العامة لإكثار البذار.
ويمر الإنتاج بأربع مراحل، تبدأ بالشتول المخبرية الخالية من الأمراض الفيروسية، ثم جيل الأمهات في البيوت الزجاجية، وبذار “سوبر إيليت” في البيوت الشبكية، وصولاً إلى “إيليت” في الحقول المفتوحة.
وتستخدم المؤسسة في حلب وطرطوس 3500 متر مربع من البيوت الزجاجية و893 بيتاً شبكياً، فيما سجلت الفحوص المصلية، وفق المؤسسة، إصابة فيروسية بنسبة صفر في الدرينات المنتجة داخل البيوت الزجاجية.
وتشمل الأصناف المحلية أفاميا وسدرا وآثار وقلمون ولانا، وتُطرح بأسعار مدعومة لتخفيف التكاليف والحد من الاعتماد على البذار المستوردة.
66 ألف طن في خطة بذار القمح والشعير.. أين وصلت جهود الإكثار؟
حددت المؤسسة العامة لإكثار البذار للموسم الزراعي 2025-2026 خطة لتوزيع 60 ألف طن من بذار القمح المغربل والمعقم، و6 آلاف طن من بذار الشعير.
وتعتمد المؤسسة على التعاقد مع المزارعين ومتابعة الحقول وفحص المحصول قبل اعتماده وأجرت مديرية مراقبة الجودة والمختبرات خلال عام 2026 فحوصاً لأكثر من ألف عينة للتحقق من درجة البذار ومرحلتها ومطابقتها المواصفات الفنية.
وفي دير الزور، استأنف فرع المؤسسة في أيلول 2026 غربلة البذار وتعقيمه بعد توقف دام 14 عاماً، عقب تزويده بغرابيل جديدة وتستهدف الخطة الإنتاجية للعام المقبل إنتاج 8 آلاف طن من البذار لتلبية احتياجات المزارعين.
ويمتلك الفرع أصنافاً من القمح القاسي، هي “بحوث 9” و”شام 7″، ومن القمح الطري، هي “شام 4″ و”شام 10”.
أما في حمص، فبدأ الفرع تجهيز نحو 1100 طن من بذار القمح المعقمة والمغربلة للموسم الزراعي 2026–2027، ضمن خطة تستهدف الوصول إلى نحو 3500 طن حتى نهاية موسم التجهيز، إضافة إلى أكثر من 200 طن من بذار الشعير للموسم التالي، بعد استلام المحصول من 220 مزارعاً متعاقداً.
أصناف محسّنة.. إنتاجية أعلى وبذار أقل
أكد الخبير التنموي أكرم عفيف ضرورة تطوير بذار بلدية محسّنة تجمع بين الإنتاجية الجيدة والتكيف مع البيئة المحلية ومقاومة الأمراض، مشيراً إلى أن إنتاجية بعض الأصناف البلدية القديمة تراوحت بين 200 و350 كيلوغراماً للدونم، فيما تواجه أصناف أخرى مشكلات تتعلق بالأمراض وارتفاع الأسعار.
ولفت إلى ارتفاع تكاليف البذار المستوردة، قائلاً إن أسعار بذار بعض الخضراوات تجاوزت أسعاراً قياسية، وإن بعض البذار لا يعطي سوى جيل إنتاجي واحد.
واستشهد عفيف بأصناف قمح تراوحت إنتاجيتها بين 300 و400 كيلوغرام للدونم، مقابل أصناف محسّنة لدى “إيكاردا” زُرعت في سوريا وبلغت إنتاجيتها، وفق الأرقام التي أوردها، بين طن وطن و200 كيلوغرام للدونم، مع احتياج إلى نحو 15 كيلوغراماً من البذار للدونم، مقارنة بنحو 25 إلى 30 كيلوغراماً أو أكثر لبعض الأصناف الأخرى.
ودعا إلى الاستفادة من الكفاءات العلمية ومراكز البحوث لتطوير الأصناف المحلية وتوسيع إنتاجها، وإنشاء قاعدة بيانات تربط مراكز البحوث والجامعات وكليات الزراعة لتحديد الأصناف الملائمة لكل منطقة ومواعيد زراعتها، وتعزيز التعاون مع “إيكاردا” و”الفاو”.
ورأى أن الاستفادة من حقول إكثار البذار لدى المزارعين قد تتيح تغطية الاحتياجات خلال دورة زراعية واحدة أو موسمين، عند توافر البذار الجاهزة والإمكانات اللازمة.
التمويل والإكثار يحددان مسار الاكتفاء المحلي
يؤكد رستم أن سوريا تمتلك خبرات متراكمة في تحسين بذار القمح والشعير وكفاءات علمية في مراكز البحوث الزراعية، لكن تطوير الإنتاج يحتاج إلى التمويل وتأهيل المراكز والمخابر، وتأمين الآلات والغرابيل ومعدات التجفيف والتخزين والحصاد والكوادر الفنية.
وشدد على أهمية الحفاظ على الأجيال المختلفة للبذار، بما فيها F1 وF2 وF3، وفق طبيعة المحصول وبرنامج التحسين، وانتقاء الأصناف الأكثر تحملاً للجفاف والرطوبة الزائدة.
ودعا إلى وضع خطة وطنية تحدد احتياجات المحافظات والمحاصيل والكميات والمساحات اللازمة للإنتاج، مع إعطاء الأولوية للقمح والشعير والبقوليات، وتأمين بذار الأساس وتوسيع محطات الإكثار وإشراك المزارعين في الإنتاج وشراء محاصيلهم وفق آليات واضحة.
وقدّر رستم أن تحقيق الاكتفاء المحلي قد يستغرق بين ثلاث وخمس سنوات، وقد يصل إلى عشر سنوات في بعض الحالات، تبعاً للمحصول والصنف والإمكانات المتاحة، مشيراً إلى أن التمويل والتعاون مع المزارعين قد يقلصان المدة في بعض المحاصيل إلى نحو ثلاث سنوات.
من جهته، أوضح خبير الاقتصاد الزراعي الدكتور مصطفى حاج حميدي أن إنتاج البذار محلياً يسهم في خفض تكاليف الإنتاج والحفاظ على القطع الأجنبي وتحسين الميزان التجاري الزراعي، فضلاً عن توفير فرص عمل وزيادة دخل الأسر الريفية.
ويحتاج تطوير القطاع، وفق الخبراء، إلى تكامل البحث العلمي والإنتاج والتسويق، وتأهيل المخابر ومرافق التخزين وتفعيل الإرشاد الزراعي، وضمان وصول الأصناف المحسّنة إلى المزارعين في مختلف المناطق.
ولا يعني تقليل الاستيراد الاستغناء عنه بالكامل، بل تحقيق توازن بين تطوير الإنتاج الوطني والاستفادة من الخبرات الخارجية، بما يساعد على تلبية احتياجات الزراعة السورية وتعزيز استقرارها والأمن الغذائي على المدى الطويل.