دمشق-سانا
أفقد تراجع قدرة ميليشيا الحوثي على التحكم بمضيق باب المندب إيران ورقة ضغط استراتيجية كانت تراهن عليها إلى جانب مضيق هرمز، مع استعادة القوات الحكومية اليمنية مواقع استراتيجية في محيط المضيق، بينما لا تزال المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية قائمة.
ولم تؤد استعادة القوات الحكومية اليمنية مناطق استراتيجية في مديرية ذباب ومواقع قريبة من المضيق إلى إنهاء المخاطر التي تواجه حركة الملاحة وإمدادات الطاقة، إذ لا تزال المعارك مستمرة في المناطق الجبلية القريبة منه، فيما تبقى قدرة ميليشيا الحوثي على استهداف الملاحة من مناطق برية بعيدة عن الساحل قائمة، وفق تقديرات يمنية.
وتأتي أهمية هذه التطورات في وقت تعيد فيه أسواق الطاقة حساباتها على خلفية اضطرابات متزامنة في عدد من الممرات البحرية، ولا سيما مضيق هرمز، الذي ما زال يشكل محوراً رئيسياً لمخاطر إمدادات النفط، بالتوازي مع استمرار التوترات في البحر الأحمر.
ومع ارتفاع خام برنت اليوم إلى نحو 105.20 دولارات للبرميل، فإن تراجع المخاطر في باب المندب، حتى لو تعزز، لا يكفي بمفرده لخفض تكلفة الطاقة، في ظل اتساع مصادر الضغط على الإمدادات وحركة الناقلات.
تراجع الخطر لا يعني انتهاءه
وقال الكاتب والباحث الأكاديمي اليمني عادل دشيلة في حديث لـ سانا: إن “القوات الحكومية استعادت بعض المناطق الاستراتيجية في مديرية ذباب وتحاصر ميليشيا الحوثي في معسكر العمرية القريب من باب المندب، لكن عناصر من الميليشيا ما زالت موجودة في المنطقة، فيما تستمر المعارك في المناطق الجبلية التي يمكن أن تشكل تهديداً مباشراً للملاحة الدولية”.
وأشار دشيلة إلى أن المخاطر في باب المندب تراجعت في الوقت الراهن، لكن من المبكر اعتبارها زالت، لأن الميليشيا ما زالت قادرة على استهداف الملاحة الدولية من مناطق جبلية أخرى باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة
وأضاف أن تراجع قدرة الميليشيا على التحكم بالمضيق أفقد إيران ورقة ضغط مهمة كانت تراهن عليها إلى جانب مضيق هرمز، ولا سيما في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.
وبحسب الباحث، فإن سيطرة القوات الحكومية على الساحل الغربي بما فيه الحديدة، والمناطق الجبلية الاستراتيجية المشرفة على المضيق في محافظتي تعز ولحج، من شأنه أن يوفر ظروفاً أفضل لعودة باب المندب إلى أداء دوره كممر آمن وموثوق للملاحة الدولية، بما يخفف الضغط على إمدادات النفط والغاز، ولا سيما مع ازدياد أهمية طرق البحر الأحمر كمسارات بديلة في ظل اضطرابات مضيق هرمز.
السيطرة البرية لا تنهي تهديد الملاحة
ويتفق الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية صلاح علي صلاح على أن استعادة القوات الحكومية مناطق مطلة على باب المندب تمثل مكسباً عسكرياً وسياسياً، لكنه ربط أثرها الاستراتيجي بقدرة القوات الحكومية على تثبيت هذه المكاسب والحفاظ على خطوط الإمداد والدفاع.
وأكد صلاح لـ سانا أن السيطرة على باب المندب والساحل الغربي لا تعني، بحد ذاتها، إنهاء التهديد الحوثي للملاحة الدولية، لأن الميليشيا سبق أن نفذت عمليات ضد السفن من دون الحاجة إلى السيطرة على كامل الساحل، فيما تستطيع مواصلة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من مناطق برية مثل البيضاء والحديدة وحجة.
وأضاف أن استعادة الساحل تحد من بعض الخيارات العملياتية المتاحة أمام الميليشيا، خصوصاً فيما يتعلق باستخدام المواقع الساحلية أو زرع الألغام البحرية، لكنها لا تلغي التهديد البحري ما دامت قدراتها العسكرية البرية قائمة.
النفط لا يتحرك وفق ممر واحد
وتوضح هذه المعطيات أن تأثير باب المندب في أسعار الطاقة يرتبط بحجم الخطر الفعلي على الملاحة، وليس بمجرد السيطرة العسكرية على أجزاء من المناطق المحيطة بالمضيق، فعودة الاستقرار الكامل للممر يمكن أن تخفف علاوة المخاطر وتقلل تكاليف الشحن والتأمين، لكنها لا تعني تلقائياً انخفاض أسعار النفط أو المشتقات.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار اضطرابات مضيق هرمز والهجمات التي تطال حركة الشحن في الخليج، إذ ارتفع برنت اليوم الخميس خمس دولارات أو 4.99 بالمئة إلى 105.20 دولارات للبرميل وسط مخاوف من اتساع اضطراب الإمدادات، في وقت تراجعت فيه المخزونات الأمريكية من الخام والديزل بأكثر من المتوقع.
وبالتالي، فإن أي تحسن في أمن باب المندب يمثل عاملاً مساعداً على استقرار أسواق الطاقة، لكنه لا يشكل وحده أساساً لانخفاض مستدام في الأسعار، طالما بقيت طرق إمداد أخرى عرضة للاضطراب، واستمرت تكاليف النقل والتأمين والمنتجات النفطية المكررة مرتفعة.
وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد على استيراد المشتقات، ومنها سوريا، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، إذ إن تكلفة الوقود لا ترتبط بسعر الخام العالمي وحده، وإنما تشمل أيضاً أسعار المنتجات المكررة وتكلفة الشحن والتأمين وتوافر الناقلات ومسارات الإمداد، ما يجعل انخفاض عامل واحد من عوامل المخاطر غير كافٍ بالضرورة لخفض التكلفة النهائية للمشتقات.