دمشق-سانا
استحوذت القهوة، التي تعد من أكثر المشروبات استهلاكاً حول العالم، على مكانة خاصة في الحياة اليومية للسوريين، حتى بات فنجانها الصباحي طقساً ثابتاً لدى الكثيرين.
ومع حلول اليوم العالمي للقهوة في مطلع تشرين الأول من كل عام، تتجدد الحكاية الممتدة من مزارع البن في أقاصي العالم وصولاً إلى الفنجان الذي يرافق تفاصيل الحياة اليومية في سوريا، حيث تشير تقديرات الجمعية الحرفية المختصة بالمحامص إلى أن الاستهلاك السنوي يقدر بنحو 100 طن رغم أنه كان في السابق أعلى.
حكاية القهوة.. البداية من إثيوبيا
وتعود جذور شجرة البن إلى مرتفعات إثيوبيا، ولا سيما منطقة “كافا”، التي يعتقد أنها الموطن الأول للقهوة، قبل أن تنتقل إلى اليمن وشبه الجزيرة العربية ومنها إلى مختلف أنحاء العالم. وتتركز زراعة البن اليوم ضمن ما يعرف بـ”حزام القهوة” الممتد عبر أمريكا الجنوبية وأفريقيا وبعض مناطق آسيا.
وتتأثر خصائص حبات البن وطعمها النهائي بعوامل متعددة تشمل طبيعة المنطقة المزروعة فيها والسلالة المستخدمة وطريقة المعالجة المتبعة، فيما تعد قهوة “أرابيكا” المزروعة على ارتفاعات تتراوح بين 1200 و2200 متر من أشهر الأنواع وأكثرها جودة وانتشاراً.
من معالجة الثمرة إلى البن الأخضر
وتبدأ رحلة البن بقطاف الثمار الحمراء عند اكتمال نضجها، لتدخل بعدها مرحلة المعالجة التي تعد من أكثر المراحل تأثيراً في النكهة النهائية للقهوة. وتوضح إحدى محامص دمشق المحلية أن هذه المرحلة تتم عبر ثلاث طرق رئيسية، هي المعالجة المجففة أو التجفيف الطبيعي، حيث تترك الثمار كاملة لتجف تحت أشعة الشمس، والمعالجة المغسولة التي تزال خلالها القشرة واللب ميكانيكياً قبل غسل الحبوب وتجفيفها، إضافة إلى المعالجة العسلية التي تجمع بين الطريقتين وتترك فيها الحبة لتجف مع جزء من اللب المحيط بها.
وبعد انتهاء هذه المراحل تتحول الحبوب إلى بن أخضر جاهز للتصدير، لتبدأ رحلة جديدة نحو الأسواق المستوردة ومن بينها سوريا، حيث تخضع لسلسلة من العمليات المحلية التي تضيف إليها قيمة اقتصادية وتنعكس على تكلفتها النهائية.
سوق البن السورية.. البرازيل والهند تتصدران
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي مختار الإبراهيم في حديثه لـ سانا أن سوق البن في سوريا تعتمد بشكل كامل على الاستيراد لتأمين حبات البن الخضراء الخام، نظراً لكون البن محصولاً استوائياً لا يزرع محلياً.
وأشار الإبراهيم إلى أن البرازيل والهند تتصدران قائمة الدول الموردة للبن إلى سوريا، لافتاً إلى أن الإحصاءات والتقارير الدورية لغرفة التجارة العربية البرازيلية تقدر متوسط صادرات القهوة إلى سوريا بنحو 34 مليون دولار سنوياً.
وبيّن أن وصول البن الأخضر إلى سوريا يمثل بداية إحدى أهم حلقات سلسلة القيمة في هذه الصناعة، إذ ينتقل إلى المحامص ليخضع لعمليات الفحص والتقييم والتحميص والطحن والتعبئة والتوزيع قبل طرحه في الأسواق.
رحلة القهوة في سوريا.. من الاختبار إلى الفنجان
ولا تدخل حبات البن مباشرة إلى آلات التحميص، وإنما تمر أولاً بمرحلة فنية دقيقة تعرف باسم “التذوق التقييمي” أو “Cupping”، يتم خلالها اختبار عينات من البن الأخضر بعد تحميصها تحميصاً خفيفاً وطحنها، بهدف تقييم خصائصها وتحديد أفضل أساليب التحميص الكفيلة بإبراز نكهاتها ومميزاتها.
وتتم هذه العملية من خلال وضع العينات في أكواب خاصة لمعاينة روائحها قبل إضافة الماء الساخن، ثم تقييم مجموعة من الخصائص تشمل الرائحة والحلاوة والحموضة والقوام والتوازن والأثر المتبقي في الفم والانطباع العام الذي تتركه القهوة.
ويؤكد المختصون أن هذا الاختبار لا يقتصر على كونه وسيلة لفحص الجودة، بل يشكل لغة مهنية مشتركة بين المزارعين والمحامص وصناع القهوة، ويساعد في اختيار خطة التحميص الملائمة لكل نوع من أنواع البن.
وبعد اجتياز مراحل التقييم، تبدأ عملية التحميص التي تتحول خلالها الحبوب الخضراء تدريجياً إلى اللون البني المعروف. ويرى خبراء القهوة أن درجات التحميص الفاتحة والمتوسطة تعد الأكثر قدرة على الحفاظ على النكهات الطبيعية للحبوب، بما فيها النفحات الفاكهية والزهور ولمسات الكراميل، مؤكدين أن ثواني معدودة داخل المحمصة قد تحدث فرقاً كبيراً في خصائص المنتج النهائي.
من التفريغ الغازي إلى التعبئة والتوزيع
ولا تنتهي رحلة القهوة عند التحميص، إذ تحتاج الحبوب بعد خروجها من المحمصة إلى فترة تتراوح بين يومين وسبعة أيام تعرف بمرحلة “التفريغ الغازي”، وهي مرحلة ضرورية للتخلص من غاز ثاني أكسيد الكربون الناتج عن عملية التحميص.
وبعد ذلك تبدأ مرحلة الطحن التي تجعل البن مناسباً لطرق التحضير المختلفة، تليها مرحلة التعبئة التي تهدف إلى المحافظة على الجودة والنكهة لأطول فترة ممكنة قبل وصول المنتج إلى المستهلك.
ويشير خبراء القهوة إلى أن تعرض البن للأوكسجين يؤدي إلى فقدان جزء من الزيوت العطرية والنكهات المميزة وتسريع عملية تقادمه، لذلك تعتمد المحامص الحديثة أكياساً مزودة بصمام أحادي الاتجاه يسمح بخروج الغازات الناتجة عن التحميص ويمنع دخول الهواء الخارجي.
وهكذا تنتقل الحبة من شكلها الخام المستورد إلى منتج محمص ومطحون ومعبأ، لتدخل بعدها في مراحل التوزيع والبيع وصولاً إلى المستهلك النهائي.
من الحبة إلى السعر.. تكاليف الإنتاج والتحول السلوكي
وعلى صعيد الأسعار، أوضح الإبراهيم أن سعر البن في السوق المحلية لا يحدد بشكل عشوائي، وإنما يرتبط بمجموعة من التكاليف والعوامل العالمية والمحلية، بدءاً من تقلبات البورصات العالمية المتأثرة بالظروف المناخية في بلدان المنشأ، مروراً بتكاليف الاستيراد والنقل، وصولاً إلى النفقات التشغيلية للمحامص وتأمين مصادر الطاقة اللازمة لعمليات التحميص.
وأضاف أن البيانات الميدانية وتصريحات الجمعية الحرفية للمحامص تشير إلى أن سعر كيلو البن يتراوح بين 1200 و1700 ليرة للأنواع القياسية والسادة، في حين قد يتجاوز 2500 ليرة للأنواع الأعلى جودة بحسب نسبة الهال والمحسنات المضافة إليها.
وأكد أن الفوارق السعرية لا ترتبط فقط بمصدر البن أو جودته، وإنما تتأثر كذلك بالتكاليف المتراكمة التي يتحملها المنتج خلال انتقاله من حبوب خضراء مستوردة إلى سلعة جاهزة للاستهلاك.
ولفت الإبراهيم إلى أن التحول الأبرز في سوق القهوة السورية يتمثل في تغير سلوك المستهلكين نتيجة تراجع القوة الشرائية، موضحاً أنه رغم محافظة القهوة على حضورها كعادة يومية لدى شريحة واسعة من السوريين، فإن كثيراً من الأسر باتت تتجه إلى شراء كميات صغيرة وأوزان دقيقة بدلاً من العبوات الكبيرة.
وأشار إلى أن ظاهرة الشراء بالأوزان الصغيرة أو ما يعرف تجارياً بـ”البيع بالغلوة” أصبحت أكثر انتشاراً، في محاولة للتوفيق بين الحفاظ على عادة استهلاك القهوة اليومية ومواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، وهو ما انعكس بصورة واضحة على حجم الاستهلاك في السوق المحلية.