عواصم-سانا
في ظل التوترات المتصاعدة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، وما خلّفته من اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، برزت أدوات تحليل جديدة تحاول استشراف مسار الأحداث وتأثيرها على أسعار النفط.
وفي مقدمة هذه الأدوات، تأتي منصات التنبؤ الرقمية، وهي أسواق يتداول فيها المشاركون عقوداً مبنية على نتائج أحداث مستقبلية، تمتد من الاتجاهات المالية إلى الحملات الانتخابية، وصولاً إلى مآلات الحروب والأزمات.
ومع تزايد احتمالات التصعيد أو التهدئة في المنطقة، أصبحت هذه المنصات تُستخدم لرصد توقعات المتعاملين بشأن مسار الحرب وانعكاساتها المحتملة على الإمدادات النفطية، ما منحها حضوراً متنامياً في قرارات التداول.
بيانات التنبؤ تدخل عالم خام برنت
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية اليوم الخميس، بدأت بيانات مستمدة من أسواق التنبؤ تُدمج في أنظمة تداول آلية متقدمة ضمن سوق العقود الآجلة لخام برنت، حيث تُترجم توقعات المستخدمين بشأن أحداث سياسية وجيوسياسية إلى إشارات بيع وشراء تُستخدم كمؤشر إضافي لتقدير اتجاهات السوق.
وتتميز هذه المنصات بطابعها التفاعلي وسرعة تحديثها، ما يجعلها مرآة فورية لما يُعرف بـ”مزاج السوق” في الزمن الحقيقي.
تقلبات تربط السياسة بالنفط
وشهدت أسعار خام برنت خلال الربع الأول من عام 2026 تقلبات حادة، إذ تراوحت بين 92 و115 دولاراً للبرميل، مدفوعة بالحرب في الشرق الأوسط ومخاوف تعطل الإمدادات.
وفي هذا السياق، سجّلت منصات مثل “بوليماركت” في نيويورك تداولات بملايين الدولارات على سيناريوهات مرتبطة بإغلاق مضيق هرمز أو توسع رقعة المواجهة الإقليمية، وارتفعت احتمالات هذه السيناريوهات في بعض الفترات إلى ما بين 40 و60%.
كما أظهرت بيانات السوق أن تصريحات سياسية مفاجئة أدت إلى تحركات فورية متزامنة في كل من أسواق التنبؤ وأسعار النفط، حيث تراجعت الأسعار في إحدى الجلسات بنسبة تراوحت بين 3 و5% بالتوازي مع انخفاض احتمالات التصعيد العسكري.
تحليلات غير تقليدية.. ومخاوف قائمة
ويؤكد متعاملون في أسواق الطاقة أن تحليل أسعار النفط لم يعد مقتصراً على المؤشرات التقليدية، مثل بيانات المخزونات أو تقارير العرض والطلب، بل بات يشمل أيضاً تدفقات بيانات قائمة على ما يُعرف بـ”الحكمة الجماعية” المستخلصة من سلوك المشاركين في أسواق التنبؤ.
وفي المقابل، يحذر آخرون من مخاطر محتملة ترتبط باستخدام هذه المنصات، وخصوصاً في ظل غياب الشفافية الكاملة بشأن هوية المشاركين، لافتين إلى أن بعض التوقعات الكبيرة التي تُسجَّل قبل أحداث مفصلية قد تثير تساؤلات حول احتمال استغلال معلومات داخلية لتحقيق أرباح، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على الأسواق الفعلية.
مؤسسات مالية تراقب.. وجدل لا ينتهي
ويرى محللون متخصصون أن أسواق التنبؤ ليست ظاهرة جديدة، لكن التطور التكنولوجي وانتشار العملات الرقمية ساهما في توسيع نطاقها وتعزيز تأثيرها، مشيرين إلى أن حجم التداول على هذه المنصات تجاوز خلال عام 2025 عدة مليارات من الدولارات، مع ارتفاع ملحوظ في عدد المستخدمين.
هذا التوسع دفع مؤسسات مالية كبرى إلى إدراج مؤشرات مستمدة من أسواق التنبؤ ضمن تقاريرها التحليلية، بهدف تحسين دقة التوقعات.
ورغم ذلك، لا يزال الجدل قائماً حول مدى موثوقية هذه الأسواق، فبينما يعتبرها البعض أداة سريعة لالتقاط اتجاهات السوق، يرى آخرون أن أداءها خلال بعض الأزمات لم يكن دقيقاً بما يكفي للاعتماد عليها كمصدر رئيسي للتوقعات.