درعا-سانا
من حركات شدّ الخيوط الطولية فوق أخشاب النول العربي البدائي، وغزل أصواف الأغنام بأيدي فلاحي درعا القدامى، وُلدت قطع البسط والوسائد الحورانية لتحكي قصة كفاح مجتمع ريفي حوّل الموارد البسيطة إلى لوحات تشكيلية دافئة.
هذه الحرفة التراثية العريقة بمحافظة درعا، تقاوم اليوم زحف السجاد الآلي والمواد البلاستيكية رخيصة الثمن، في وقت يتمسك فيه ما تبقى من حرفيين بمكوك النول الخشبي لحفظ الذاكرة المعمارية والجمالية للمضافات الأصيلة من التغييب.
مراحل صناعة البسط والمخدات
في جولة لـ “سانا” بمشغل النول اليدوي للحرفي موسى عمر الحمد في مدينة بصرى الشام، ذكر أن البساط الحوراني اليدوي يتجاوز كونه غطاءً عابراً للأرض، ليكون وثيقةً بصريةً تسجل تاريخ سهل حوران.
وشرح الحمد خطوات صناعة البساط والتي تبدأ بتأمين صوف الأغنام وشعر الماعز، ثم غسله وغزله يدوياً بالمغزل، ليصَبغ بعدها بألوان البيئة المحلية لرسم النقوش، ويلي ذلك شد الخيوط الطولية (السدى) على النول الخشبي بقوة، ثم تمرير خيوط العرض (اللحمة) وضغطها بالدف الخشبي لتثبيت النسيج، وصولاً إلى اللمسات الأخيرة للقطعة.
تحدي الاندثار وغزو الآلات
في ختام تصريحه، وجه الحمد رسالة مؤثرة حول واقع المهنة ومستقبلها، مؤكداً أن هذه الحرفة تمثل المورد الاقتصادي ومنبع الرزق الأساسي الذي يعيل أسرته ومنها يستمدون قوت يومهم، بالرغم من غزو الصناعات الآلية من سجاد وموكيت ذي السعر الرخيص.
وشدد على تمسكه بنوله الخشبي ومقاومة اندثاره، لأن المنتج اليدوي يمتلك روحاً وقيمة تراثية ودفئاً لا يمكن لأي آلة حديثة أن تحاكيه أو تعوضه.
القيمة الفنية والتراثية كهوية منطقة
أوضح موفق الدوس صاحب محل تحف شرقيات تراثية في بصرى أن البسط والوسائد الحورانية اليدوية تمثل اليوم درة المعروضات في مجال التحف، وهناك إقبال على اقتنائها، وخاصة من المغتربين والسياح لأنهم يدركون قيمتها الحقيقية كمنتج يعبق برائحة الماضي، ولفت إلى أن الحفاظ على هذه المهنة وتأمين منافذ بيع لها يشكلان رافداً اقتصادياً مهماً للعديد من العائلات وضمانة لبقاء هويتنا البصرية الحورانية حية.
وتظل حماية نول بصرى الشام اليدوي من الاندثار مسؤولية تنموية تتجاوز البُعد الفردي إلى الجهد المؤسساتي المشترك، عبر دعم الجمعيات الحرفية بالمواد الأولية وإطلاق معارض تخصصية وتوفير قنوات تسويقية مباشرة، وتدريب الأجيال الجديدة على الصنعة لصون الهوية البصرية الحورانية، ولتبقى هذه البسط سجلاً حياً عن تراث سهل حوران.