فيينا-سانا
من مدينة إدلب التي بدأ فيها مسيرته الصحفية وسط ظروف الحرب والنزوح، إلى العاصمة النمساوية فيينا حيث حصد جائزة BIBER Impact Award 2026، انتقل الصحفي والمصور السوري قصي سلماوي بين تجربتين شكلتا ملامح مسيرته المهنية والإنسانية، وصولاً إلى تكريمه ضمن فئة المواهب (Talent)، وحصوله على تقدير خاص إضافي من لجنة التحكيم في فئة المسيرة المهنية (Karriere)، ليكون الوحيد بين الفائزين الذي نال هذا التكريم.

وقال سلماوي في تصريح لـ “سانا”: إن الفوز بالجائزة يمثل إنجازاً كبيراً بالنسبة لي، وقيمته معنوية أكثر من أي شيء آخر، مشيراً إلى أن وصوله إلى المرحلة النهائية ضمن ثلاثة مرشحين جعل المنافسة تحدياً مهماً، ولا سيما أن مسيرته بدأت من إدلب في بلد عاش الحرب، واستطاع رغم الظروف مواصلة عمله والوصول إلى هذه المرحلة في النمسا.
تقدير لمسيرة بدأت في ظروف الحرب
وأوضح سلماوي أن التقدير الخاص الذي حصل عليه من لجنة التحكيم في فئة المسيرة المهنية يمثل اعترافاً بالتجربة التي بناها في النمسا خلال فترة قصيرة، بعد وصوله إليها عام 2023، حيث واجه تحديات تتعلق باستئناف عمله الصحفي وبناء حياته والاندماج في المجتمع، في ظل صعوبات مرتبطة بإجراءات الهجرة والإقامة.
ولفت إلى أن تجربته السابقة في شمال سوريا، وخاصة في إدلب ومخيمات النازحين، شكلت جزءاً أساسياً من تكوينه المهني، مؤكداً أن الجائزة وإن كانت إنجازاً شخصياً، فإنها تحمل أيضاً بعداً سورياً، من خلال تسليط الضوء على قصص نجاح السوريين وتجارب اندماجهم في المجتمع النمساوي.
وأضاف: إن من المهم أن تظهر صورة السوريين من خلال نجاحاتهم وقدراتهم وإسهاماتهم، وليس فقط من خلال الحرب واللجوء.
من توثيق المعاناة إلى العمل الإنساني

وبدأ سلماوي مسيرته الصحفية عام 2016 في إدلب، حيث عمل في التغطية الميدانية وتصوير الحياة اليومية في مخيمات الشمال السوري، وتوثيق معاناة المدنيين جراء الحرب والقصف الوحشي من النظام البائد والنزوح، بالتوازي مع مساهمته في العمل مع منظمات وجمعيات إغاثية لدعم العائلات المتضررة والنازحة.
وأشار إلى أن مشاهد العائلات التي فقدت منازلها وكل ما تملك في مخيمات الشمال السوري بقيت حاضرة في ذاكرته، موضحاً أن تلك التجربة جعلته يشعر بأن توثيق معاناة الناس ونقلها مسؤولية لا يمكن التخلي عنها.
وقال: إن الكاميرا كانت وسيلته لإيصال صوت الناس وقصصهم إلى العالم وإظهار واقعهم الإنساني، مؤكداً أن الصحافة ليست مجرد نقل صورة أو خبر، بل مسؤولية تجاه الإنسان والحقيقة.
جسر بين السوريين في النمسا والشمال السوري
ومع انتقاله إلى النمسا عام 2023، حرص سلماوي على مواصلة نشاطه الإعلامي والإنساني، ولاحظ، بحسب قوله، غياباً كبيراً للقصص المتعلقة بما يجري في سوريا، ولا سيما معاناة الأهالي في الشمال السوري، إضافة إلى محدودية معرفة بعض السوريين في الخارج بتفاصيل الأوضاع هناك.
وأوضح أن خبرته السابقة في شمال إدلب وعلاقاته مع العاملين في المنظمات والمؤسسات السورية ساعدته على بناء جسور التواصل مع الجهات السورية في النمسا، وتنظيم مبادرات وحملات إنسانية لدعم مخيمات الشمال السوري والمدارس والمشافي، والمساهمة في جمع التبرعات لإجراء عمليات جراحية عاجلة لأشخاص بحاجة إلى تدخل طبي.
وأضاف: إنه حاول أن يكون حلقة وصل بين السوريين في النمسا والأهالي في إدلب ومناطق الشمال السوري، وأن يسهم في إيصال الدعم إلى مستحقيه.
سانا.. نافذة لنقل قصص السوريين وإنجازاتهم
وشكل الثامن من كانون الأول 2024 محطة جديدة في مسيرة سلماوي، مع بدء عمله مراسلاً متعاوناً مع الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” في النمسا، حيث انتقل إلى متابعة الأحداث والفعاليات الدولية والمؤتمرات والاجتماعات الأوروبية، ولا سيما المنعقدة في مقر الأمم المتحدة في فيينا، إضافة إلى تغطية نشاطات الوفود الحكومية السورية بعد التحرير ومشاركاتها في المحافل الدولية.
وأكد أن العمل مع سانا أتاح له الجمع بين التغطية الصحفية الدولية ونقل قصص السوريين وتجاربهم إلى الجمهور داخل البلاد، من خلال إعداد تقارير مصورة عن إنجازات الأطباء والطلاب والخريجين وأصحاب الخبرات في مختلف المجالات.
ولفت إلى أن ما يميّز كثيراً من السوريين الذين تعلموا وتخرجوا وعملوا في النمسا هو امتلاكهم رغبة كبيرة في نقل خبراتهم إلى الداخل السوري والمساهمة في بناء مستقبل بلدهم، مشيراً إلى أن بعض هذه القصص وصل أيضاً إلى التلفزيون السوري عبر مقابلات خاصة مع أصحابها.
اهتمام أوروبي متزايد بالتجربة السورية

وحول طبيعة الاهتمام الإعلامي الأوروبي بسوريا بعد الثامن من كانون الأول 2024، قال سلماوي: إنه لاحظ تغيراً في طبيعة الموضوعات والقصص التي تحظى بالاهتمام، مبيناً أن مشاركته في المؤتمرات والاجتماعات الدولية في النمسا وأوروبا أظهرت اهتماماً متزايداً بالتعرف إلى سوريا والسوريين، ليس من خلال التطورات السياسية فحسب، وإنما أيضاً عبر الثقافة والكفاءات وقصص النجاح والتجارب الإنسانية.
وشدد على أهمية تقديم صورة حقيقية ومتنوعة عن السوريين، وإبراز إسهاماتهم وقدراتهم في المجتمعات التي يعيشون فيها، بما يسهم في التعريف بتجربتهم بعيداً عن الصورة المرتبطة بالحرب واللجوء وحدهما.
مغادرة الوطن ليست نهاية الأحلام
وفي رسالته إلى الشباب السوري الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم ويطمحون إلى مواصلة مسيرتهم المهنية في الخارج، استذكر سلماوي أنه اعتقد عند مغادرته سوريا عام 2023 أن مسيرته الصحفية ربما وصلت إلى نهايتها، ولا سيما بعد مغادرته إدلب التي أنهكتها سنوات الحرب، لكنه اكتشف في النمسا إمكانية بدء مرحلة جديدة ومواصلة رسالته في نقل أصوات السوريين وقصصهم إلى العالم.
وقال: إن الإنسان عندما يضطر إلى ترك وطنه وعائلته ويبدأ من الصفر في بلد جديد ثم ينجح، فإن ذلك بحد ذاته إنجاز كبير، سواء في الصحافة أو في أي مجال آخر، مؤكداً أن كل شخص يستطيع من موقعه وإمكاناته أن يقدم شيئاً لبلده، سواء كان صحفياً أو طبيباً أو مهندساً أو طالباً.
وأضاف أن السوريين اضطروا إلى مغادرة وطنهم بسبب الحرب، لكنهم لم يتخلوا عن أحلامهم، وما زالوا يمتلكون الخبرات والقدرات والطموحات التي تمكنهم من بناء حياتهم من جديد والمساهمة في مستقبل بلدهم.
وختم سلماوي بالقول: إن مغادرة الوطن لا تعني نهاية الطريق، بل يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة، والأهم ألا يفقد الإنسان إيمانه بنفسه وبقدرته على النجاح، فحتى من يشغل موقعاً محدوداً في عمله يستطيع إحداث فارق كبير من خلال ما يقدمه.
يُذكر أن جائزة BIBER النمساوية تسلط الضوء على الشخصيات والتجارب التي تترك أثراً إيجابياً في المجتمع، وتسهم في تعزيز التنوع والاندماج وإبراز قصص النجاح، وقد جاء ترشيح سلماوي للجائزة عن طريق الطالبة الجامعية السورية بنان سقّباني، الفائزة بجائزة المواهب لعام 2025.