دمشق-سانا
تكتسب الاستثمارات السعودية في سوريا أهمية متزايدة مع انتقال التعاون الاقتصادي نحو مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، التي ناقشها الرئيس أحمد الشرع وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال اجتماعهما في الرياض أمس الأول.
ويرى خبراء اقتصاديون وماليون ورجال أعمال تحدثوا لـ سانا، أن توجيه الاستثمارات إلى الكهرباء والمياه والنقل والموانئ والصناعة والزراعة، يمكن أن يتجاوز إعادة تأهيل المنشآت المتضررة إلى إعادة تشغيل قطاعات إنتاجية، وخفض تكاليف الأعمال، وخلق فرص عمل، وتعزيز القدرات والخبرات المحلية.
البنية التحتية.. لماذا تبدأ منها دورة التعافي؟
يصف الخبير الاقتصادي حسام عايش الاستثمار في البنية التحتية بأنه يمكن أن يتحول إلى “مضاعف للإنتاجية”، موضحاً أن تطوير الكهرباء لا يرتبط فقط بزيادة ساعات التغذية، وإنما بإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات ومعالجة الخسائر الفنية وإدخال تقنيات حديثة.
ويشير عايش إلى أن الطرق والموانئ والمحاور اللوجستية تمثل مكوناً موازياً في هذه المعادلة، لافتاً إلى أن مرفأي اللاذقية وطرطوس استقبلا 945 سفينة وتعاملَا مع نحو 8 ملايين طن من البضائع خلال النصف الأول من عام 2026، وفق بيانات رسمية، ما يعكس أهمية رفع كفاءة البنية التحتية القادرة على استيعاب النشاط التجاري المتزايد.
ويرى أن تحسين النقل والتخزين والخدمات اللوجستية يمكن أن ينعكس على تكاليف الإنتاج والتجارة وزمن وصول السلع، ويمنح المصانع والمصدرين قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق.
ويتفق رجل الأعمال بسام الشحادات مع أهمية هذا المسار، لكنه يرى أن العائد الأكبر يتحقق عندما لا تقتصر الشراكة على تصدير المعدات والمواد إلى السوق السورية، بل تقوم على دمج رأس المال والخبرة والأسواق والقدرات التنفيذية السورية، مع توطين جزء من سلاسل التوريد داخل البلاد.
حجم الحاجة يفتح مجالاً واسعاً للاستثمار
تأتي هذه الأولويات في ظل حجم كبير من الاحتياجات الإنمائية، فقد قدر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، منها 82 مليار دولار للبنية التحتية، بينما قدر الأضرار المادية المباشرة في البنية التحتية بنحو 52 مليار دولار من إجمالي أضرار مباشرة بلغت 108 مليارات دولار.
ويشير عايش إلى أن توجيه الاستثمارات إلى الري والمناطق الصناعية والصوامع ومراكز التخزين والصناعة والزراعة، يمكن أن يحقق أثراً اقتصادياً متسارعاً، لأن إعادة تشغيل أصل قائم قد تكون أسرع وأقل كلفة من إنشاء منظومة جديدة بالكامل.
ويوضح أن إعادة تأهيل الصوامع ومراكز التخزين والطحن وسلاسل التبريد، تساعد في الحد من فاقد المحاصيل وتتيح إدارة أفضل للمخزون، بينما يؤدي تأهيل المناطق الصناعية إلى إعادة تشغيل المصانع ورفع الطلب على الكهرباء والنقل والمواد الأولية، بما يدعم الإنتاج المحلي ويحد من الحاجة إلى بعض الواردات.
ويطرح الشحادات في هذا السياق توسيع الاستثمار في الصناعات المرتبطة مباشرة بمرحلة إعادة الإعمار، ومنها الإسمنت والحديد والأنابيب والكابلات ومواد العزل والتجهيزات الكهربائية، بما يسمح بتحويل جزء من الطلب الناتج عن إعادة الإعمار إلى إنتاج داخل سوريا.
47 اتفاقية.. كيف تتحول الأرقام إلى مشاريع؟
تشكل الاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى الاستثماري السوري السعودي في تموز 2025 إحدى القواعد التي يمكن البناء عليها، إذ بلغ عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم 47 اتفاقية بقيمة تقارب 24 مليار ريال سعودي، أي نحو 6.4 مليارات دولار، وشملت قطاعات عدة، بينها البنية التحتية والتطوير العقاري والاتصالات والتحول الرقمي.
ويمكن أن توفر هذه الاتفاقيات نحو 50 ألف فرصة عمل مباشرة، و150 ألفاً غير مباشرة، ما يوضح حجم الأثر المتوقع للمشاريع الاستثمارية على سوق العمل إذا انتقلت من مرحلة الاتفاقات إلى التنفيذ الفعلي.
ويرى عايش أن توسع الاستثمارات في الكهرباء والموانئ والطرق والصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية يمكن أن يخلق آثاراً اقتصادية تتجاوز الوظائف المباشرة، عبر تنشيط قطاعات النقل والصيانة والخدمات الهندسية ومواد البناء والمشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالمشاريع الكبرى.
كما يؤكد الشحادات أن نقل المعرفة يجب أن يكون جزءاً من تصميم المشاريع منذ البداية، بحيث تتضمن العقود وبرامج التنفيذ تدريب الكوادر السورية وإشراك الشركات المحلية في سلاسل التوريد، والاستفادة من الخبرات السعودية في إدارة المشاريع والبنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة والمياه.
المياه والمطارات.. استثمارات تكمل الصورة
ويرى الخبير المالي فراس شكور أن الإمكانات التمويلية والخبرة المتراكمة لدى الشركات السعودية في مشاريع البنية التحتية تفتح مجالات إضافية للتعاون، ولا سيما في قطاع المياه وتحليتها ونقلها، إلى جانب تطوير المطارات والخدمات المرتبطة بها.
ويشير شكور إلى أن تطوير مطاري دمشق وحلب الدوليين يمكن أن يدعم حركة النقل الجوي ويعزز موقع سوريا على مسارات العبور الإقليمية، بالتوازي مع تطوير التجهيزات والخدمات والبنية التحتية المساندة.
ويضيف أن القطاع الصحي يمكن أن يشكل مجالاً آخر للشراكة، من خلال الاستثمار في المنشآت والتجهيزات والخدمات الطبية، والاستفادة من الكفاءات السورية والتقنيات الحديثة، بما قد يدعم حركة السياحة العلاجية والاستثمارية بين سوريا والسعودية ودول المنطقة.
من الاتفاقات إلى شراكة إنتاجية
وتأتي هذه الرؤى في وقت تؤكد فيه المحادثات السورية السعودية الرسمية استمرار التركيز على إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات النوعية، مع بحث دور القطاعين العام والخاص في الطاقة والبناء والصناعة والزراعة والتجارة.
وكان البلدان وقعا في آب 2025 اتفاقية لتشجيع وحماية الاستثمارات، بهدف وضع إطار للتعاون الاستثماري وتطوير المشاريع المشتركة.
ويشدد الشحادات على أن نجاح المشاريع الكبرى يحتاج إلى تنسيق فعال بين الجهات الحكومية والمستثمرين والمقاولين والموردين، وسرعة في اتخاذ القرار ومؤشرات أداء قابلة للقياس، مع الاستفادة من خبرات الشركات السعودية في إدارة المشاريع الكبرى والرقمنة.
ويرى عايش أن الاستثمارات ذات الأثر الأكبر هي التي تتجاوز تنفيذ مشروع منفرد إلى بناء منظومة مترابطة، تشمل التشغيل والصيانة والتدريب وتطوير الموردين المحليين، وزيادة المحتوى المحلي وربط الحوافز الاستثمارية بالقيمة المضافة وفرص العمل والصادرات.
وبذلك تتقاطع رؤى الخبراء الثلاثة عند نقطة أساسية: أن الاستثمار في البنية التحتية لا ينبغي أن ينتهي عند إعادة تأهيل المنشآت، بل يمكن أن يشكل قاعدة لإعادة تشغيل الإنتاج، وخفض تكاليفه، وتحسين حركة التجارة، وتطوير القدرات المحلية، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة، بما يربط الشراكة السورية السعودية بمسار أوسع لتعافي الاقتصاد السوري واستعادة قدرته على النمو.