دمشق-سانا
على امتداد سنوات الغربة، لم تتوقف نساء سوريات عن بناء مساراتهن المهنية والعلمية بعيداً عن بلدهن، فحوّلن تحديات اللغة والانتقال والبدء من جديد إلى فرص للتعلم والعمل والتميز.
وبين معلمة حققت جوائز تربوية في الإمارات، وطالبة طب تصدرت دفعتها في جامعة أنقرة، ورائدة أعمال أسست مشروعاً لتمكين الشباب، تتشكل ثلاث قصص نجاح سورية في الاغتراب.
وبنهاية عام 2025، بلغ عدد اللاجئين السوريين حول العالم نحو 4.9 ملايين، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما عاد نحو 1.3 مليون سوري إلى بلادهم خلال العام نفسه، وخلف هذه الأرقام تجارب فردية استطاعت تحويل ظروف الغربة إلى مسارات مهنية وعلمية تركت أثراً في المجتمعات المضيفة، مع الحفاظ على صلة فاعلة بسوريا.
إيمان الخالد.. المركز الأول في الطب رغم تحديات اللغة والغربة
لم يكن حصول الطبيبة السورية إيمان الخالد على المركز الأول في كلية الطب بجامعة أنقرة التركية مجرد إنجاز أكاديمي، بل محطة في مسار بدأته بعيداً عن بلدها، وسط تحديات الانتقال إلى مجتمع جديد ودراسة تخصص طبي بلغة مختلفة.
غادرت إيمان سوريا بمفردها إلى تركيا قبل نحو ست سنوات، وواجهت تحديات الاعتماد على النفس وتعلم لغة جديدة والتأقلم مع بيئة مختلفة، وتقول: إن دراسة الطب كانت تحدياً مضاعفاً، لأنها لم تكن مطالبة بإتقان تخصص يحتاج إلى جهد كبير فحسب، بل بدراسته بلغة جديدة أيضاً، وساعدها وجودها في مجتمع جامعي داعم على تجاوز الصعوبات.
وبالتوازي مع دراستها، شاركت في مبادرات بحثية دولية، وانضمت إلى تجمع “ميدكس” الذي يضم طلاب الطب الناطقين بالعربية في تركيا، وتولت إدارة فريق أنقرة، وشاركت من خلاله في مشاريع وفعاليات ركزت على تطوير الطلاب علمياً ومجتمعياً.
كما قدمت قبل التحرير دروساً لبعض الطلاب في الشمال السوري عبر الإنترنت، مؤكدة استعدادها لمواصلة نقل خبراتها العلمية مستقبلاً.
وتقول: إن سنواتها في تركيا منحتها، إلى جانب الخبرة الطبية، مهارات في القيادة والتواصل وبناء العلاقات مع أشخاص من ثقافات مختلفة، بما يجعل عودتها إلى سوريا مستقبلاً ذات قيمة عملية.
وخلال تجربتها، لمست إيمان حضوراً لافتاً لطلاب سوريين استطاعوا، رغم خروجهم من البلاد في ظروف صعبة وفي أعمار صغيرة، التأقلم مع مجتمعات جديدة وتحقيق نتائج متميزة.
سارية عائشة.. معلمة سورية تجعل الابتكار جزءاً من تجربتها

بدأت سارية عبد الرحمن عائشة مسارها المهني من الصفوف الدراسية في الإمارات، قبل أن يتوسع إلى الابتكار والتدريب والمبادرات المجتمعية، انطلاقاً من قناعة بأن دور المعلم يمتد إلى الطالب والأسرة والمجتمع.
وشكل حصولها على المركز الأول عن فئة “المعلم المبدع” ضمن جائزة خليفة التربوية محطة بارزة في تجربتها، فيما تجاوز عدد المبادرات التعليمية والمجتمعية التي قادتها وشاركت فيها 60 مبادرة، استفاد منها أكثر من 3 آلاف شخص.
كما حصلت على المركز الأول في جائزة الشارقة للتميز التربوي في دورتها الثلاثين، وجائزة المعلم المتميز على مستوى منطقة الظفرة، والمركز الأول في جائزة “عون” ضمن فئة الفرق التطوعية من خلال فريق “بصمة خير” الذي تولت قيادته.
وركزت عائشة على تطوير العلاقة مع الطلبة وأولياء الأمور، وتوظيف التكنولوجيا والتعلم التعاوني، ومن أبرز مشاريعها “رادار الطلاقة القرائية” لدعم مهارات القراءة، ومنصتا “صدارة” و”أكاديمية أثر” لتعليم اللغة العربية، ومبادرات “لوحة فخر” و”قمم رقمية” و”سفير الهوية الوطنية” و”فخر العزة”، إلى جانب مبادرات مجتمعية نفذتها عبر فريق “بصمة خير”.
وامتد نشاطها إلى التأليف والتدريب، فألفت كتاب “تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم” وقصة “عندما صمتت الشاشات”، وقدمت ورشات للمعلمين حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وطرائق التدريس الحديثة والتعلم التعاوني والبحوث التربوية ومعايير التميز والمنصات التعليمية.
ومع توليها رئاسة لجنة التطوير المهني، أنشأت قناة تعليمية على “يوتيوب”، وشاركت في ملتقيات ومؤتمرات تعليمية داخل الإمارات وعلى المستوى العربي والدولي، وحكّمت مسابقات على مستوى الدولة ونشرت أبحاثاً تربوية، بينها بحث قدمته في المؤتمر الدولي للتعليم المفتوح والمبتكر ICOIE 2026 حول آراء المعلمين في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الابتدائي في الإمارات، بالتوازي مع مواصلة دراستها في القيادة وإدارة التعلم الإلكتروني.
وتنظر عائشة إلى الجوائز بوصفها محطات لمواصلة التعلم وتوسيع دائرة التأثير، مؤكدة رغبتها في نقل خبراتها إلى المعلمين والطلبة في سوريا، ولا سيما في التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي والتطوير المهني، من خلال ورشات وبرامج تدريبية عن بُعد.
صفا الجاسم.. من ريادة الأعمال إلى تمكين الشباب السوري

بدأت صفا الجاسم مسيرتها المهنية في المجال الشبابي والطلابي من تركيا عام 2018، عندما أسست مشروع “Unlimited Education”، المتخصص في مساعدة وتوجيه الطلاب العرب الراغبين بالدراسة في تركيا، لتشكل التجربة بدايتها في إدارة المشاريع والعلاقات العامة.
وتوسعت تجربتها عبر العمل مع منظمات مجتمع مدني في تركيا وشمال غرب سوريا، والمشاركة في إدارة فرق شبابية وتنفيذ مشاريع تنموية وإغاثية في سوريا وجنوب تركيا، إضافة إلى مشاريع إغاثية في غزة.
ومع تراكم الخبرة، أسست في إسطنبول مشروع “جوب لينك”، كمنصة ومبادرة تنموية لتمكين الشباب السوري والعربي وتدريبهم وتأهيلهم لدخول سوق العمل، مستفيدة من شبكة العلاقات والخبرات التي بنتها خلال سنوات عملها.
وأسهم المشروع في اختيارها ضمن خمس سيدات سوريات رائدات أعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا “MENA”، في إطار مشروع “CWIBL” المعني بتمكين النساء في مجال الأعمال، والذي تضمن برنامجاً مكثفاً للتدريب والتوجيه على مستوى دولي، إلى جانب منحة مالية لدعم المشاريع.
وبعد التحرير، انتقل نشاط “جوب لينك” إلى الداخل السوري، وتركز هدفه على سد الفجوة بين مهارات الشباب واحتياجات سوق العمل، وخلق مساحات تربطهم بأصحاب القرار والجهات العاملة في مختلف القطاعات.
وتقول الجاسم: إن “جوب لينك” وصل حتى الآن إلى آلاف الشباب من خلال التدريبات وورشات العمل والملتقيات التخصصية، ومنها “تيك لينك” و”ميديا لينك”، بهدف تطوير المهارات المطلوبة في سوق العمل وتشبيك الشباب مع فرص العمل.
ثلاث تجارب.. وهدف يتجاوز النجاح الشخصي
تختلف مسارات إيمان وسارية وصفا بين الطب والتعليم وريادة الأعمال، لكن تجاربهن تلتقي عند تحويل الغربة من ظرف صعب إلى مساحة لبناء المعرفة والخبرة وتحقيق الإنجاز.
ولا تتوقف قيمة هذه التجارب عند النجاح الشخصي، إذ تحمل صاحباتها رغبة في إعادة توظيف ما اكتسبنه في الخارج لخدمة المجتمع السوري، سواء عبر التعليم والتدريب، أو نقل الخبرات الطبية والعلمية، أو توفير فرص للشباب وربطهم بسوق العمل.
وتكشف قصصهن جانباً آخر من تجربة السوريين في الغربة، لا تختزلها أرقام اللجوء والهجرة، بل تظهر طاقات استطاعت بناء مكان لها في مجتمعات جديدة، مع الاحتفاظ برغبة في أن يكون لما حققته أثر في سوريا.