عواصم-سانا
قد يلاحظ بعض الأشخاص تغيراً في شهيتهم وعاداتهم الغذائية مع تعاقب الفصول، فيميلون إلى الأطعمة الدافئة والغنية بالطاقة خلال الطقس البارد، أو يفضلون الأطعمة الخفيفة والباردة في الأجواء الحارة، غير أن هذه التغيرات لا ترتبط بدرجات الحرارة وحدها، بل تتداخل فيها عوامل عدة، منها النشاط البدني والمزاج وطول النهار والعادات الاجتماعية ومدى توافر الأطعمة.
وأظهرت دراسات علمية وجود اختلافات موسمية في استهلاك السعرات الحرارية وبعض المجموعات الغذائية، فقد رصدت دراسة أجراها الباحث جيمس م. دي كاسترو من جامعة ولاية جورجيا الأمريكية، ونشرت في مجلة «Physiology & Behavior»، وشملت 315 بالغاً، ارتفاعاً في استهلاك السعرات الحرارية، ولا سيما الكربوهيدرات، خلال فصل الخريف.
كما توصلت مراجعة منهجية وتحليل تلوي أعدّهما فريق دولي من معهد التغذية البشرية الألماني في بوتسدام-ريبروكه، ومركز هلمهولتز في ميونيخ، وجامعة سابينزا في روما، وجامعة بوزنان للعلوم الطبية في بولندا، ونُشرا في مجلة «European Journal of Clinical Nutrition»، وشملا 26 دراسة، إلى وجود اختلافات موسمية في استهلاك الطاقة وبعض المجموعات الغذائية، مع تفاوت النتائج بحسب الموسم ونوع الطعام والمنطقة الجغرافية.
البرد لا يعني بالضرورة زيادة الشهية
على الرغم من الاعتقاد الشائع بأن انخفاض درجات الحرارة يزيد الشعور بالجوع، فإن الدراسات التجريبية لا تؤكد ذلك بصورة قاطعة، فقد أظهرت دراسة نفذها باحثون من جامعة كامبريدج البريطانية ونشرت في مجلة «Endocrine Connections» أن التعرض المعتدل للبرد رفع استهلاك الطاقة في حالة الراحة، من دون تغير واضح في الشعور بالجوع أو كمية الطعام المتناولة.
وأُجريت الدراسة على عشرة متطوعين أصحاء، تعرضوا لدرجة حرارة بلغت 18 درجة مئوية، وقورنت استجاباتهم بتلك المسجلة في ظروف حرارية معتدلة بلغت 24 درجة مئوية، وتشير النتائج إلى أن زيادة الطاقة التي يستهلكها الجسم للمحافظة على حرارته لا تعني بالضرورة زيادة الشهية.
وفي دراسة نشرت عام 2024 في مجلة «British Journal of Nutrition»، بحث علماء من معهد البحوث الطبية الحيوية الفرنسية وجامعة إيفري التابعة لجامعة باريس-ساكلاي، تأثير التعرض للحرارة والبرد مدة 24 ساعة في الشهية واستهلاك الطعام وتفضيلاته، وشملت 23 رجلاً شاباً ونشطاً تعرضوا لدرجات حرارة بلغت 16 و24 و32 درجة مئوية.
ولم تُظهر النتائج فروقاً واضحة في إجمالي استهلاك الطاقة أو الشعور بالجوع بين الظروف الحرارية الثلاثة، بينما ظهرت اختلافات في تفضيلات الطعام؛ إذ زاد الميل إلى الأطعمة الدافئة والأعلى دهوناً في البرد، مقابل تفضيل الأطعمة الباردة والأقل دهوناً في الحر، ومع ذلك، تظل هذه النتائج مرتبطة بظروف تجريبية وعينة محدودة، ولا يمكن تعميمها على مختلف الفئات العمرية أو أنماط الحياة.
المزاج والنشاط البدني وتوافر الطعام عوامل مؤثرة
لا يقتصر تأثير الفصول في عادات الأكل على درجات الحرارة، إذ قد يسهم طول النهار وتغير المزاج ومستوى النشاط البدني وتوافر الأطعمة والعادات الثقافية في تشكيل الأنماط الغذائية، كما تختلف هذه الأنماط بين البلدان تبعاً للمناخ والمحاصيل والعادات السائدة.
وأظهرت دراسة نشرت في مجلة «European Journal of Clinical Nutrition»، ونفذها باحثون من جامعة فالي دو ريو دوس سينوس (Unisinos) وجامعة ريو غراندي دو سول الفيدرالية في البرازيل وشملت 273 بالغاً، اختلافات موسمية في استهلاك مجموعات غذائية؛ إذ انخفض استهلاك الفواكه وعصائرها الطبيعية والمشروبات المحلاة خلال الشتاء، مقابل ارتفاع استهلاك الحبوب ومشتقاتها، كما اختلفت بعض الأنماط بحسب العمر والجنس، ما يشير إلى أن التغيرات الموسمية لا تتبع نمطاً موحداً لدى الجميع.
الجوع وتفضيلات الطعام ليسا أمراً واحداً
توضح هذه النتائج أهمية التمييز بين الشعور بالجوع والرغبة في تناول نوع معين من الطعام والكمية الفعلية المستهلكة، فقد يفضل الشخص الأطعمة الدافئة في الأيام الباردة، أو الأطعمة الباردة والمنعشة في الطقس الحار، من دون أن يعني ذلك بالضرورة زيادة حاجته إلى السعرات الحرارية أو انخفاضها.
وبذلك، تبدو العلاقة بين الطقس والشهية أكثر تعقيداً من الاعتقاد بأن البرد يزيد الجوع والحر يقلله؛ إذ تتداخل فيها عوامل بيئية وفسيولوجية ونفسية وسلوكية، وتختلف الاستجابة من شخص إلى آخر، ولا تزال هناك حاجة إلى دراسات أوسع وفي ظروف حياتية متنوعة لتحديد مدى تأثير كل عامل في الشهية واستهلاك الطعام خلال الفصول المختلفة.