برلين-سانا
تتجه الأبحاث الحديثة إلى دراسة التغيرات التي تطرأ على الجهاز العصبي والمناعي لدى المصابين بالتصلب المتعدد، سعياً إلى فهم أسباب اختلاف مسار المرض من شخص إلى آخر، والعوامل التي قد تسهم في انتقاله إلى مراحل أكثر تقدماً أو في تكرار الانتكاسات.
وفي هذا السياق، تناولت دراسات حديثة جوانب مختلفة من المرض، من بينها آفات دماغية مزمنة نشطة يمكن أن تستمر رغم العلاج، وتغيرات في خلايا مناعية تسبق الانتكاسات، ما يوفر مؤشرات جديدة حول الآليات المرتبطة بتطور المرض.
وذكر موقع «دويتشه فيله» الألماني في تقرير نشره اليوم الجمعة أن باحثين من نظام «ماس جنرال بريغهام» الطبي، التابع لكلية الطب بجامعة هارفارد توصلوا إلى مؤشرات جديدة حول الآليات المرتبطة بالتصلب المتعدد، الذي يعد من أمراض المناعة الذاتية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي غمد «الميالين» المحيط بالألياف العصبية، ما يؤثر في انتقال الإشارات بين الدماغ وأجزاء الجسم المختلفة.
عوامل مرتبطة بتطور التصلب المتعدد
أشارت تقارير بحثية إلى أن بعض البؤر العصبية المزمنة النشطة في الدماغ قد ترتبط بتفاقم الإعاقة لدى المصابين بالتصلب المتعدد، حيث أظهرت دراسة شملت 192 مصاباً نفذها باحثون من المعهد الوطني للاضطرابات العصبية والسكتة الدماغية (NINDS) التابع للمعاهد الوطنية للصحة (NIH) في الولايات المتحدة، أن أكثر من نصف المشاركين لديهم بؤرة مزمنة نشطة واحدة على الأقل، بينما ارتبط وجود أربع بؤر أو أكثر بظهور الإعاقات الحركية والإدراكية في سن أصغر وزيادة احتمال الإصابة بالشكل المترقي من المرض.
وتتميز هذه البؤر، التي يمكن رصدها باستخدام تقنيات متقدمة للتصوير بالرنين المغناطيسي، باستمرار الالتهاب فيها وتوسعها تدريجياً، حتى لدى بعض المرضى الذين يتلقون علاجات فعالة، ما يشير إلى أن الالتهاب الموضعي المزمن داخل الجهاز العصبي قد يسهم في استمرار تلف الأنسجة.
مؤشرات ترتبط بانتكاسات التصلب المتعدد
في دراسة أخرى نشرت في مجلة «نيتشر ميديسين» في 16 أيلول الماضي، درس باحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد ومستشفى بريغهام والنساء ونظام «ماس جنرال بريغهام» الطبي عينات دم متتابعة لمرضى مصابين بالتصلب المتعدد الانتكاسي، ورصدوا تغيرات في خلايا مناعية ظهرت قبل الانتكاسات بما يصل إلى ثلاثة أشهر، وارتبطت بعلامات على إعادة تنشيط فيروس إبشتاين-بار.
ووجد الباحثون ارتفاع مؤشرات مرتبطة بالفيروس في بعض الخلايا البائية قبل الانتكاس، مشيرين إلى أن إعادة تنشيط فيروس إبشتاين-بار في بيئة مناعية لدى أشخاص لديهم استعداد وراثي للتصلب المتعدد قد تكون عاملاً قريباً من حدوث الانتكاس، مع التأكيد أن العلاقة بين هذه التغيرات وتشكّل الآفات داخل الجهاز العصبي المركزي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
ولا يزال العلماء لا يعزون التصلب المتعدد إلى سبب واحد، إذ تشير الأدلة إلى تداخل عوامل وراثية ومناعية والتهابية، إلى جانب الدور الذي يُبحث لفيروس إبشتاين-بار.
وتساعد النتائج الحديثة في توسيع فهم الآليات التي قد تسهم في الانتكاسات واستمرار الضرر العصبي، وقد تفتح المجال أمام استراتيجيات علاجية تستهدف هذه المسارات.
والتصلب المتعدد مرض مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويهاجم فيه الجهاز المناعي غمد «الميالين» المحيط بالألياف العصبية، ما يؤثر في انتقال الإشارات العصبية بين الدماغ وأجزاء الجسم المختلفة، وقد يسبب أعراضاً تختلف بحسب المنطقة المصابة، من أبرزها اضطرابات الرؤية، وتنميل أو ضعف الأطراف، ومشكلات التوازن والتنسيق الحركي، والإرهاق، وصعوبة المشي، وقد يؤثر أيضاً في الذاكرة والتركيز.