عواصم-سانا
مع الانتقال بين الفصول، لا يتغير الطقس وحده، بل تتبدل معه درجات الحرارة والرطوبة والضغط الجوي وجودة الهواء، وهي عوامل قد تتزامن مع عودة أعراض الحساسية لدى بعض الأشخاص، مثل العطاس وانسداد الأنف والحكة، ما يطرح تساؤلاً حول مدى ارتباط هذه الأعراض بتغير الطقس والعوامل البيئية المصاحبة له.
الحرارة والضغط الجوي
في أحدث دراسة مباشرة حول هذه العلاقة، نشرت في تموز 2026، تناول باحثون من مستشفى ووشي التابع لجامعة نانجينغ للطب الصيني العلاقة بين الظروف الجوية والتهاب الأنف التحسسي في مدينة ووشي الصينية.
واعتمدت الدراسة على بيانات 76,760 مراجعة طبية لمرضى التهاب الأنف التحسسي بين تشرين الثاني 2020 وكانون الأول 2024، وأظهرت نمطاً موسمياً واضحاً، مع ذروة رئيسية في الخريف وأخرى في الربيع، كما ارتبط ارتفاع متوسط درجة الحرارة بزيادة هذه المراجعات بصورة غير خطية، ولا سيما عند تجاوز الحرارة نحو 15 درجة مئوية، بينما لم تظهر الرطوبة وسرعة الرياح ارتباطات مستقلة واضحة.
ارتفاع الحرارة.. أدلة غير حاسمة
لا تعني هذه النتائج أن ارتفاع الحرارة يزيد الحساسية لدى الجميع، ففي مراجعة منهجية وتحليل تلوي نشرا عام 2024، تناول باحثون من مؤسسات أكاديمية وصحية في ماليزيا واليابان نتائج 20 دراسة حول ارتفاع درجة الحرارة والتهاب الأنف التحسسي.
وأشارت المراجعة إلى وجود ارتباط بين ارتفاع الحرارة وبعض مؤشرات التهاب الأنف التحسسي في عدد من التحليلات، لكن مستوى اليقين العام للأدلة كان منخفضاً جداً، كما اختلفت العلاقة باختلاف المناطق المناخية، ما يجعل من الصعب اعتبار ارتفاع الحرارة وحده تفسيراً ثابتاً لزيادة الأعراض.
تقلب الحرارة يزيد الارتباط بالأعراض
في دراسة أجرتها جامعة تشنغتشو في الصين بالتعاون مع جامعة بوسطن الأمريكية، ونشرت إلكترونياً في كانون الأول 2025، بحث العلماء العلاقة بين تقلب درجات الحرارة وزيارات المرضى بسبب التهاب الأنف.
واعتمدت الدراسة على 58,717 زيارة خلال الفترة بين عامي 2013 و2023، وأظهرت أن تقلب درجات الحرارة ارتبط بزيادة الزيارات، وكان الارتباط أقوى عندما حدث التغير خلال فترة قصيرة، كما كان التأثير أوضح في فصل الخريف.
الرطوبة والأمطار ضمن الصورة
في مراجعة منهجية وتحليل تلوي نشرا في كانون الأول 2025، جمع باحثون من جامعة هاينان الطبية ومؤسسات بحثية في الصين وأستراليا نتائج 22 دراسة تناولت الحرارة والرطوبة والأمطار والضغط الجوي وسرعة الرياح وعلاقتها بالتهاب الأنف التحسسي.
وأظهر التحليل ارتباط ارتفاع درجة الحرارة وزيادة الأمطار بارتفاع خطر التهاب الأنف التحسسي، في حين ارتبط ارتفاع الرطوبة بانخفاض الخطر في التحليل المجمع، ولم تظهر علاقة ذات دلالة إحصائية مع الضغط الجوي أو سرعة الرياح وأكد الباحثون أن قوة هذه العلاقات اختلفت بين المناطق والظروف المناخية.
ماذا يضيف تغير المناخ؟
في مراجعة نطاقية نشرت إلكترونياً في نيسان 2025، تناول باحثون من جامعة جورج واشنطن وجامعات ومراكز طبية أمريكية أخرى تأثير تغير المناخ في التهاب الأنف التحسسي، وأظهرت أن عدداً من الدراسات رصد تغيراً في مواسم مسببات الحساسية المحمولة في الهواء، إلى جانب تغيرات في انتشار التهاب الأنف التحسسي وشدة أعراضه وبعض مؤشرات استخدام الرعاية الصحية المرتبطة به.
جودة الهواء ومسببات الحساسية
في مراجعة أخرى نشرت إلكترونياً في كانون الأول 2024، تناول باحثون من المركز الطبي لجامعة نبراسكا ومؤسسات علمية في الولايات المتحدة واليونان تأثير تغير المناخ في التعرض لمسببات الحساسية والمهيجات.
وأشارت المراجعة إلى أن تغير المناخ يمكن أن يترافق مع تغير التعرض لملوثات ومهيجات تنفسية، إضافة إلى تغيرات في مسببات الحساسية المحمولة في الهواء، إذ ارتبط ارتفاع درجات الحرارة وزيادة ثاني أكسيد الكربون بإطالة مواسم حبوب اللقاح وزيادة كثافتها في عدد من الأنواع المدروسة.
لماذا تختلف الأعراض بين الأشخاص؟
لا يستجيب الجميع لتغير الطقس بالطريقة نفسها، إذ تختلف الاستجابة تبعاً للاستعداد للتحسس ونوع الحساسية والعوامل البيئية المحيطة، فضلاً عن اختلاف الظروف المناخية بين المناطق، كما لا تقدم الدراسات نتيجة موحدة لكل عامل جوي، ما يعني أن أعراض الحساسية الموسمية لا يمكن تفسيرها بعنصر واحد.
وتبقى العلاقة بين تبدل الفصول وأعراض الحساسية معقدة، لتداخل عوامل عدة، منها درجات الحرارة والرطوبة والأمطار وجودة الهواء ومسببات الحساسية، إلى جانب اختلاف استجابة الأشخاص، لذلك قد يساعد تتبع توقيت الأعراض والظروف المصاحبة لها في تحديد المحفزات الشخصية، مع أهمية استشارة الطبيب عند اشتداد الأعراض أو تكرارها وتأثيرها في النوم والنشاط اليومي.