القنيطرة-سانا
لم تعد تربية الماشية في قرية رويحينة بريف القنيطرة مجرد مصدر رزق للأهالي، بل تحولت إلى نشاطٍ محفوفٍ بالمخاطر جراء اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة، وتقييده وصول المزارعين والمربين إلى أراضيهم ومراعيهم.
ويتسبب الاستهداف المباشر لقطعان الماشية والأراضي الرعوية بتراجُع قدرة الأهالي على ممارسة أعمالهم الزراعية والحيوانية، ما ألحق خسائر كبيرة بالإنتاج الزراعي والحيواني في المنطقة.

ويصف عدد من أهالي القرية، في حديثهم لمراسل “سانا”، الواقع القاسي الذي يعيشونه، حيث لم تعد المعاناة تقتصر على الاعتداءات اليومية وإطلاق النار من جهة الاحتلال، بل تعدتها إلى الصمت الذي خيّم على حظائرهم ومراعيهم بعد الاستهداف المتكرر لقطعانهم، فالقرية التي اعتمدت منذ نشأتها على الزراعة وتربية الماشية، باتت يوميات أهلها مواجهة مفتوحة مع المعاناة التي تطارد الفلاح في حقله، والمربّي في مرعاه.
أراضٍ ومراعٍ خارج متناول أصحابها

يقول مختار قرية رويحينة بريف القنيطرة، محمد الأحمد، في حديثه لمراسل سانا: إن الاحتلال الإسرائيلي استولى على مساحات من أراضي القرية المتاخمة للجولان السوري المحتل ومراعيها، تُقدَّر بنحو 5 آلاف إلى 6 آلاف دونم، مشيراً إلى أن أهالي القرية يعتمدون على الزراعة وتربية الماشية في تأمين معيشتهم، لكن الانتهاكات الإسرائيلية امتدت إلى مصادر رزقهم اليومية.
ويوضح الأحمد، أن الاحتلال أنشأ نقاطاً عسكرية وسواتر ترابية داخل هذه المساحات، ما أجبر المزارعين والرعاة على سلوك طرق طويلة ومحفوفة بالخطر، وجعل الوصول إلى المزارع والمراعي شبه مستحيل، حيث يواجه كل من يحاول الاقتراب خطر الاستهداف المباشر، فيما تتعرض الماشية لإطلاق النار فور خروجها.
خسائر في القطعان
لا تقتصر الأضرار، وفقاً للأحمد، على تجريف الأراضي واقتلاع الأشجار، بل تشمل أيضاً مصادرة الأغنام والأبقار، ونفوقها نتيجة القصف وإطلاق النار، ويقول: إن خسائره الشخصية بلغت نحو 50 رأساً من الأغنام، قُتلت بالقصف وإطلاق النار المباشر، إضافة إلى نفوق بقرة إثر تعرض حوش منزله للقصف، فيما فقد جيرانه عدداً من الأغنام في اعتداء مماثل.

ويقدّر المختار إجمالي عدد المواشي (الأغنام والأبقار) التي قتلها الاحتلال في رويحينة بالعشرات، مشيراً إلى أن الاستهداف يحدث بصورة مباغتة ومستمرة، وفي ظل تعذّر الوصول إلى المراعي، يجد مربّو المواشي أنفسهم أمام خسائر في القطعان، إلى جانب ارتفاع تكاليف الأعلاف والحبوب، ما يزيد الضغوط المالية على الأسر التي تعتمد على تربية الماشية.
تراجع إنتاج الحليب ومشتقاته
يؤكد مختار القرية أن رويحينة كانت تُشكل خزاناً محلياً تزوّد بعض القرى بالحليب ومشتقاته، بما في ذلك الأجبان والألبان، لكن فقدان القطعان والحرمان من المراعي المفتوحة تسببا في تراجع الإنتاج وإرباك الدورة الاقتصادية والإنتاجية في القرية.

ويقول الأحمد: إن الإنتاج اليومي من الحليب ومشتقاته انخفض من نحو 5 أطنان إلى طنّين فقط، فيما تراجع في فترات التضييق الشديد إلى ما بين 200 و300 كيلوغرام، موضحاً أن هذا الانخفاض يتزامن مع ارتفاع أسعار الأعلاف والتبن والحبوب، فضلاً عن انعدام فرص العمل البديلة بعد خسارة الأراضي، ما يفاقم الضائقة المالية التي يواجهها المزارعون ومربّو المواشي.
الرعي تحت تهديد السلاح
تتجلى قسوة الواقع الذي يعيشه السكان في قرية رويحينة في شهادة ابن القرية حسن حميد الناصيف (68 عاماً)، الذي لم يغادر بلدة آبائه طوال حياته، حيث يصف المداهمات اليومية والرقابة الصارمة، قائلاً: “إن الأهالي يستيقظون على دوريات تفاجئهم في وسط البلدة، وتستجوب المزارعين، وتحولت عملية رعي الماشية إلى مخاطرة يومية تدفع الأهالي للفرار من المراعي خشية الاستهداف”.

ويؤكد أن قيود الاحتلال لم تستثنِ حتى الأطفال الصغار، حيث يُمنعون من الاقتراب من الأراضي والمراعي تحت تهديد السلاح المباشر والوعيد بإطلاق النار، قائلاً: “عندما أخرج لرعي الأغنام الصغيرة لا أشعر بالأمان، بل إن الطفل الصغير يخافون منه ولا يسمحون له بالاقتراب، ويقولون له: ابتعد وإلا أطلقنا النار عليك”.
ويروي الناصيف كيف تمتد المضايقات إلى التفتيش المهين للسكان وممتلكاتهم الشخصية، إذ تفتش قوات الاحتلال الإسرائيلي الهواتف المحمولة وتصادرها عند رؤية أي شيء لا يعجبها، فضلاً عن مصادرة الأدوات الزراعية والسكاكين الصغيرة الموجودة في جيوبهم لاستخدامها في عملهم، دون أي مبرر لفعل ذلك.
أضرار تطال المحاصيل والممتلكات
يروي الناصيف أن التجاوزات لا تتوقف عند قتل الماشية (حيث فقد وحده 15 رأساً من الأغنام)، بل تتعداها إلى إتلاف المحاصيل، إذ تُسقط الطائرات قنابل مضيئة ليلاً تتسبب في إحراق حقول القمح والشعير، كما حدث في مواسم الحصاد الماضية.

وينهي الناصيف حديثه بالإشارة إلى الأضرار التي شملت اقتلاع بساتين الزيتون والأشجار المثمرة، إلى جانب استهداف البيوت المأهولة بالقذائف المدفعية والرعب الذي يحدثه اختراق طائرات الاحتلال الإسرائيلي لجدار الصوت بين النساء والأطفال.
وفي ختام حديثهم يؤكد أهالي القرية تمسكهم بأرضهم وبما تبقى من ثروتهم الحيوانية، مشددين على أن البقاء في أرضهم والعمل فيها يمثلان خيارهم الوحيد، رغم الانتهاكات الإسرائيلية.
وبينت مديرية الإعلام في القنيطرة لسانا بعض الخسائر التي لحقت بالثروة الحيوانية بالمحافظة، حيث احتجزت قوات الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 200 رأس من الأغنام و14 رأساً من الأبقار في قرية الرفيد، فضلاً عن عدم تمكن مربّي المواشي من الوصول إلى المراعي، ولا سيما في القطاع الجنوبي من المحافظة، في مناطق كودنة وبريقة وبئر عجم وسويسة وصيدا، كما سُجّل نفوق عدد من المواشي في قرى المحافظة.




