عواصم-سانا
مع دخول المواجهة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التصعيد، تتسع الفجوة بين الحديث الأمريكي عن حملة عسكرية قصيرة وبين الاستعدادات الميدانية التي تشير إلى احتمال استمرارها، فيما عاد مضيق هرمز إلى قلب المواجهة باعتباره ورقة ضغط عسكرية واقتصادية تتجاوز حدود طرفي الصراع إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب: إنه لا يعتقد أن الضربات الأمريكية على إيران ستطول كثيراً، مؤكداً في الوقت نفسه استعداد واشنطن لتنفيذ هجوم جديد، فيما أعلن الجيش الأمريكي أنه سيواصل ضرب إيران طالما استمرت تهديداتها.
في حين أكد المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية تيموثي هوكينز، في تصريحات لـ”الشرق لومبرغ”، أن القدرات العسكرية الإيرانية تراجعت بشدة، وأن القوات الأمريكية دمرت زوارق تابعة للحرس الثوري، مشدداً على أن مضيق هرمز مفتوح، وأن واشنطن لن تسمح لإيران بتهديد حركة الملاحة.
لكن الاستعدادات العسكرية الأمريكية ترسم مساراً أكثر امتداداً، إذ ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث يعمل على تمديد فترات انتشار القوات الأمريكية في الشرق الأوسط حتى عام 2027، في خطوة تعكس استعداد البنتاغون لخيار استمرار المواجهة، رغم حديث ترامب عن قصر مدتها.
وأشارت الصحيفة إلى بقاء نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، إلى جانب 19 سفينة حربية ووحدات دفاع جوي وأسراب مقاتلة وقوات مظليين، وهو انتشار يفرض أعباء متزايدة على القوات الأمريكية والصيانة والجاهزية العسكرية.
كما كشفت “وول ستريت جورنال” أن ترامب يناقش مع كبار مستشاريه سراً إمكانية إعلان انتهاء الحرب، مع ميله، وفق مسؤولين أمريكيين، إلى هذا الخيار، بالتوازي مع رهان الإدارة على أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى دفع طهران إلى تفكيك برنامجها النووي أو مواجهة خطر الانهيار.
ونقلت “رويترز” عن مساعدين بارزين لترامب دفعهم باتجاه احتواء الحرب، وسط اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من تشرين الثاني، ما يضيف عاملاً سياسياً إلى الحسابات العسكرية.
ضغوط على طهران
أما في إيران، فتزداد الضغوط الاقتصادية بالتوازي مع التصعيد العسكري، إذ تجاوز سعر الدولار في السوق مستويات 2.2 مليون ريال إيراني، مع اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوط العقوبات وتداعيات الحرب، وسط أنباء عن تزايد أعداد القتلى العسكريين جراء الضربات الأمريكية.
وتتزامن الضغوط العسكرية والاقتصادية مع تهديد إسرائيلي بتوسيع نطاق الأهداف، إذ هدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بضرب البنية التحتية المدنية وقطاع الطاقة في إيران إذا شنت طهران هجوماً على إسرائيل، مؤكداً أن أي هجوم إيراني سيعني رفع القيود الحالية على استهداف إيران، بما يزيد المخاوف من انتقال التصعيد إلى منشآت الطاقة ذات الأهمية المباشرة للأسواق العالمية.
النفط يدفع الثمن
وتنعكس هذه المخاطر سريعاً على النفط، إذ اقترب خام برنت الخميس من 97 دولاراً للبرميل، مرتفعاً للجلسة الرابعة على التوالي، بعدما قفز بأكثر من 8 بالمئة خلال الجلسات الثلاث السابقة، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط 92 دولاراً.
هرمز تحت الضغط
ومجدداً، يبرز مضيق هرمز كساحة اختبار للقدرة على حماية الملاحة الدولية، وأظهرت بيانات “كبلر” أن ست سفن فقط عبرت المضيق أمس، مقابل 11 في اليوم السابق ومتوسط بلغ نحو 13 سفينة خلال الأيام العشرة الماضية، فيما أعلنت إيران إضافة 11 سفينة إلى قائمتها السوداء، ليرتفع العدد إلى 56 سفينة، مهددة السفن المدرجة بالغرامة أو الاحتجاز أو المصادرة.
وعلى المستوى الدولي، حذرت فرنسا من التداعيات الأوسع لاستمرار اضطراب هرمز، إذ قال سفيرها لدى الأمم المتحدة جيروم بونافون: إن “عدم استعادة حرية الملاحة الكاملة في المضيق يترك آثاراً بالغة على الوضع الدولي والاقتصاد والأمن الغذائي العالمي”، داعياً إلى تجديد ولاية فريق الخبراء المعني بالملف النووي الإيراني، ومشيراً إلى بحث عدم امتثال طهران لالتزاماتها النووية وما قد يترتب عليه من عواقب.
ووسط تلك التطورات، يبقى هرمز نقطة الضغط الأكثر حساسية، وستبقى قدرة الأطراف على إبقاء المضيق مفتوحاً، وكلفة استمرار الحرب على الاقتصادات الإقليمية، من أبرز المؤشرات التي ستحدد ما إذا كان حديث “الحملة القصيرة” سيتحول إلى نهاية قريبة، أم إلى مواجهة أطول.