بيروت-سانا
يتواصل التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان رغم الجهود السياسية الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار، وسط غارات مكثفة وحركة نزوح واسعة وتحذيرات أممية من تفاقم الأزمة الإنسانية، فيما تؤكد الدولة اللبنانية تمسكها بخيار التفاوض لتجنيب البلاد مزيداً من الدمار.
وشنت القوات الإسرائيلية، اليوم الجمعة، سلسلة غارات استهدفت بلدات عدة في الجنوب اللبناني، أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى، بالتزامن مع إنذارات بالإخلاء طالت عدداً من القرى الواقعة شمال نهر الليطاني أدت إلى موجات نزوح جديدة حسب الوكالة الوطنية للإعلام حيث تم مجدداً تسجيل حركة نزوح كثيفة من بلدتي عرنابة وعنقون ومناطق أخرى في الجنوب، وسط مخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية.
الرئيس اللبناني لإيران: “ليست بلادكم، بل هي بلادنا”
في مقابلة مع شبكة CNN، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون، أن اللبنانيين سئموا الحرب، معتبراً أن الاتفاق المطروح يمكن أن يشكل طريقاً نحو سلام عادل ودائم، وقال إن الحلول العسكرية لن تجلب الأمن والاستقرار، داعياً إلى إنهاء حالة العداء المستمرة منذ عقود عبر الدبلوماسية والتفاوض.
ووجه الرئيس اللبناني انتقادات مباشرة لإيران، مؤكداً رفضه القاطع لأي تدخل في الشؤون اللبنانية، وأشار إلى أنها تستخدم لبنان ورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشدداً على أن هذا الأمر غير مقبول وأن الشعب اللبناني هو من يدفع ثمن الصراعات الإقليمية.
وأضاف عون: “ليست بلادكم، بل هي بلادنا”، مشيراً إلى أنهم “يستخدمون لبنان كورقة مساومة في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة”.
وشدد عون على أن الأمين العام لميليشيا حزب الله نعيم قاسم لا يمثل الشعب اللبناني، مؤكداً أن اللبنانيين من مختلف الطوائف باتوا يرفضون استمرار الحروب التي تدمر منازلهم ومجتمعاتهم.
وتابع: “يجب على حزب الله أن يدرك ذلك، يجب على حزب الله أن يفهم أنه لا سبيل إلا الجلوس والتفاوض، لا سبيل آخر لحل هذه المشكلة وإنقاذ ما تبقى إلا عبر المفاوضات والدبلوماسية”.
تصعيد ميداني مستمر
ميدانياً، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها العسكرية في جنوب لبنان عبر سلسلة غارات جوية واستهدافات بطائرات مسيرة طالت بلدات عدة بينها الصرفند والسكسكية والبازورية والنبطية وقانا وكونين وبرعشيت وكفرا وزبدين، بالتزامن مع إنذارات بالإخلاء شملت مناطق تقع شمال نهر الليطاني، ما أدى إلى موجات نزوح جديدة في عدد من القرى الجنوبية.
وفي المقابل، أعلنت ميليشيا حزب الله تنفيذ هجمات صاروخية وبالطائرات المسيرة ضد مواقع وقوات إسرائيلية في جنوب لبنان، فيما أكد الجيش الإسرائيلي استمرار عملياته البرية والجوية واستهداف ما وصفه بالبنية العسكرية التابعة للميليشيا.
كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية باعتراض صواريخ في منطقة الجليل، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل ضابط برتبة نقيب خلال المعارك في جنوب لبنان.
وتزامن التصعيد مع استمرار الخلاف حول مقترح وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه خلال محادثات رعتها الولايات المتحدة في واشنطن، إذ تتمسك الحكومة اللبنانية بخيار التفاوض باعتباره المسار الأقل كلفة لإنهاء الحرب، في حين تواصل ميليشيا حزب الله رفض بنود الاتفاق بصيغته الحالية، ما يبقي احتمالات التهدئة أو التصعيد مفتوحة على مختلف السيناريوهات حسب ما أوردته تقارير رويترز وسي إن إن وبي بي سي.
الأمم المتحدة تحذر
وفي الجانب الإنساني، حذرت الأمم المتحدة من تدهور متسارع للأوضاع، مؤكدة نزوح نحو 200 ألف شخص من الضاحية الجنوبية لبيروت وحدها عقب أوامر الإخلاء الأخيرة، فيما سجلت مراكز الإيواء الجماعية أكثر من 135 ألف نازح وسط ضغوط متزايدة على الخدمات الأساسية.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن المنظمة تشعر بقلق بالغ إزاء استمرار استهداف البنية الصحية، مشيراً إلى تعرض مستشفى تبنين الحكومي لغارة جديدة، فيما تتواصل الجهود الإنسانية لتوفير المياه والمساعدات الأساسية للمتضررين.
من جهتها، أعلنت الأمم المتحدة مضاعفة قيمة ندائها الإنساني العاجل للبنان إلى نحو 640 مليون دولار لتلبية الاحتياجات المتزايدة لما يصل إلى 1.4 مليون شخص، محذرة من اتساع دائرة النزوح وتفاقم المخاطر التي تواجه النساء والأطفال والفئات الأكثر ضعفاً.
كما أعربت قوة اليونيفيل عن قلقها من الارتفاع الحاد في وتيرة العمليات العسكرية على جانبي الخط الأزرق، مشيرة إلى تسجيل عشرات الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات إطلاق المقذوفات، ومحذرة من خطر انزلاق الأوضاع إلى تصعيد أوسع.
وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية ورفض ميليشيا حزب الله للترتيبات المطروحة لوقف إطلاق النار، تبدو الجهود السياسية أمام اختبار صعب، بينما تواصل الحكومة اللبنانية التأكيد أن التفاوض والدبلوماسية يمثلان الخيار الأقل كلفة لحماية البلاد وإعادة الاستقرار إلى الجنوب.