بروكسل-سانا
تتزايد مؤشرات التباطؤ الاقتصادي في منطقة اليورو مع عودة نشاط القطاع الخاص إلى دائرة الانكماش خلال نيسان الجاري، وسط ضغوط تضخمية متصاعدة وتداعيات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، ولا سيما تأثيرات الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وبحسب شبكة يورو نيوز، أظهرت البيانات الأولية لمسح الأعمال الصادر عن شركة ستاندرد آند بورز غلوبال اليوم الخميس، تراجع أداء القطاع الخاص في أوروبا إلى أدنى مستوى له منذ نحو عام ونصف، في إشارة إلى بداية مرحلة من الضعف الاقتصادي بعد فترة من الاستقرار النسبي.
انكماش في النشاط وتراجع في الخدمات
وسجل مؤشر مديري المشتريات المركب لمنطقة اليورو تراجعاً إلى 48.6 نقطة في نيسان، مقارنة بـ50.7 نقطة في آذار، أي دون مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.
كما هبط مؤشر قطاع الخدمات، الذي يُعد المحرك الأساسي للاقتصاد الأوروبي، إلى 47.4 نقطة مقابل 50.2 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ فترة الإغلاقات المرتبطة بجائحة كورونا عام 2021.
ويعكس هذا التراجع تأثر الطلب الداخلي وارتفاع تكاليف التشغيل، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأوروبي ضغوطاً متزايدة على الاستهلاك والاستثمار.
تضخم مرتفع وضغوط على سلاسل الإمداد
في المقابل، سجلت تكاليف المدخلات ارتفاعاً حاداً هو الأعلى منذ أكثر من ثلاث سنوات، في حين وصلت أسعار المخرجات إلى أعلى مستوياتها خلال الفترة ذاتها، ما يعزز المخاوف من عودة ضغوط التضخم بوتيرة أقوى.
وأشارت البيانات إلى أن اضطرابات سلاسل التوريد الناتجة عن تداعيات الحرب، أدت إلى تأخير في تسليم المواد الخام وزيادة في تكاليف الإنتاج داخل القطاعات الصناعية والخدمية.
ألمانيا وفرنسا في صدارة التباطؤ
وسجلت ألمانيا وفرنسا، أكبر اقتصادين في اليورو أداءً أضعف من المتوقع، إذ دخل الاقتصاد الألماني في حالة انكماش جديدة، بينما واصلت فرنسا تسجيل تباطؤ واضح في النشاط الاقتصادي.
ويأتي ذلك في ظل تراجع ثقة الأعمال إلى أدنى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، ما يعكس حالة من الحذر في قرارات الاستثمار والإنفاق.
تحسن شكلي للصناعة
وعلى الرغم مما سبق، سجل القطاع الصناعي تحسناً محدوداً، حيث ارتفع مؤشره إلى 52.2 نقطة، وهو أعلى مستوى في نحو أربع سنوات.
لكن خبراء الاقتصاد يرون أن هذا التحسن يعود بشكل أساسي إلى “تكديس المخزونات”، تحسباً لنقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، وليس إلى تعافٍ فعلي في الطلب، ما يضعف دلالة الأرقام الإيجابية.
تحذيرات من ركود تضخمي
وحذر خبراء في ستاندرد آند بورز غلوبال من أن أوروبا تتجه نحو حالة من “الركود التضخمي”، مع استمرار ارتفاع الأسعار مقابل تباطؤ النمو.
ويرى اقتصاديون أن البنك المركزي الأوروبي يواجه معضلة متزايدة بين كبح التضخم ودعم النمو، في ظل محدودية أدوات السياسة النقدية المتاحة حالياً.
وخفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو، متوقعاً تباطؤه إلى نحو 1.1% في عام 2026، مع تباين واضح بين الاقتصادات الأوروبية الكبرى، حيث تواجه ألمانيا وإيطاليا وفرنسا مستويات نمو ضعيفة نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة.
انعكاسات أوسع للأزمة
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، إلى جانب أزمة الطاقة المستمرة منذ الحرب الروسية الأوكرانية، تضيف عبئاً جديداً على الاقتصاد الأوروبي، عبر ارتفاع تكاليف الطاقة، وتراجع تنافسية الصادرات، وزيادة الضغوط على الصناعة.
كما أن تقلبات أسعار النفط والغاز تعيد طرح سيناريوهات الركود التضخمي الذي شهدته أوروبا في فترات سابقة، وإن كان بوتيرة أقل حدة وفق تقديرات بعض المؤسسات المالية العالمية.
وتظهر بيانات نيسان أن اقتصاد منطقة اليورو لا يواجه مجرد تباطؤ عابر، بل حالة ضغط مركّبة تجمع بين ضعف النمو وارتفاع التكاليف وعدم اليقين الجيوسياسي.
ورغم أن المؤشرات لا تشير حتى الآن إلى ركود شامل، إلا أن اتجاه الأداء الاقتصادي يعكس مرحلة حساسة قد تحدد مسار الاقتصاد الأوروبي خلال العامين المقبلين، في ظل استمرار التوترات الدولية وتذبذب أسواق الطاقة العالمية.