دمشق-سانا
يناقش كتاب “موجز تاريخ الأسطورة” للكاتبة البريطانية كارين آرمسترونغ، تاريخ الأسطورة بوصفها جزءاً أساسياً من التجربة الإنسانية، متتبعاً تطورها منذ المجتمعات الأولى وحتى العصر الحديث، ومبيناً الدور الذي لعبته في تفسير الوجود ومنح الحياة معنى يتجاوز حدود الواقع اليومي.
ويرى الكتاب أن الإنسان كان صانع أساطير منذ أقدم العصور، مستشهداً بالقبور النياندرتالية التي تشير إلى وجود تصورات مبكرة عن الموت والحياة الأخرى، ومن هذا المنطلق تنطلق المؤلفة لاستعراض كيفية تشكل السرديات الأسطورية بوصفها وسيلة لفهم المجهول ومواجهة المخاوف الوجودية.
من الصيد إلى الزراعة
ويتضمن الكتاب قراءة للتحولات الكبرى التي رافقت انتقال الإنسان من حياة الصيد وجمع الثمار إلى الاستقرار الزراعي، حيث توضح صاحبة الكتاب أن الأساطير لم تكن مجرد قصص للتسلية، بل أدوات لفهم العلاقة بين الإنسان والطبيعة وتنظيم الحياة الاجتماعية والروحية في المجتمعات الأولى.
كما يستعرض الكتاب أثر الثورة الزراعية في نشوء رؤى دينية جديدة، حيث أصبحت الأرض والخصوبة والدورات الطبيعية محوراً رئيساً للعديد من المعتقدات والأساطير.
ولادة المدن والأساطير الكبرى
كما يتناول الكتاب مرحلة نشوء الحضارات الأولى في بلاد ما بين النهرين ومصر وغيرها، مبيناً كيف تطورت الأساطير بالتوازي مع ظهور المدن والكتابة، ويعرض في هذا الصدد نماذج من أساطير الخلق القديمة، مثل ملحمة “إنوما إيليش”، التي عكست فهم المجتمعات
القديمة للعالم ومكان الإنسان فيه.
ويفرد الكتاب مساحة واسعة لما يسميه الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز العصر المحوري، وهي المرحلة التي شهدت ظهور تقاليد فكرية ودينية كبرى، منها البوذية والكونفوشيوسية والفلسفة اليونانية والتوحيد في الشرق الأوسط، والتي لا تزال تؤثر في حياة البشر حتى اليوم.
ويختتم الكتاب بتتبع التحول الذي شهدته المجتمعات الغربية منذ القرن الـ 16، حيث صعدت العقلانية والعلم والتكنولوجيا إلى الواجهة، حيث ترى آرمسترونغ أن هذا التحول أدى إلى تراجع حضور الأسطورة في الحياة العامة، رغم استمرار حاجة الإنسان إلى القصص الكبرى التي تمنحه معنى وتساعده على فهم ذاته والعالم من حوله.
يشار إلى أن كتاب “موجز تاريخ الأسطورة” ترجمه للعربية أسامة أسبر وهو من منشورات دار التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، ويقع في 127 صفحة من القطع المتوسط.
أما مؤلفة الكتاب كارين آرمسترونغ، فهي من مواليد عام 1944، كاتبة وباحثة بريطانية من أبرز المهتمين بتاريخ الأديان والدين المقارن، عُرفت بأعمالها التي تبحث في القواسم المشتركة بين الديانات الكبرى، ولا سيما قيمة الرحمة والحوار وفهم الآخر، ومن مؤلفاتها: ”الإسلام: تاريخ موجز”، و”محمد: نبي لزماننا”، وقد تُرجمت أعمالها إلى لغات عديدة، وحصلت على جوائز وتكريمات دولية، منها جائزة تيد عام 2008 التي أطلقت من خلالها دعوتها إلى ميثاق الرحمة.