الثلاثاء 3 نوفمبر 2026 — دمشق
|

“لا ‏تنسونا”.. وصية نبيل الشربجي ووجع عائلات ‏الصحفيين المفقودين

 دمشق-سانا‏
 
لم ينتهِ انتظار عائلة الصحفي السوري نبيل الشربجي ‏عند تلقيها نبأ وفاته في المعتقل، فخلف ذلك النبأ بقيت ‏أسئلة كثيرة عن ظروف اعتقاله وما تعرض له، ‏وذاكرة أب يحتفظ بتفاصيل زيارته الأخيرة لابنه، ‏ووصية لم تفارق ذاكرة رفاقه بألا يُنسى المعتقلون ‏وقضيتهم.‏
 
تختصر قصة الشربجي، أحد مؤسسي صحيفة “عنب ‏بلدي” في مدينة داريا بريف دمشق، جانباً من معاناة ‏الصحفيين الذين تعرضوا للاعتقال والقتل خلال سنوات ‏الثورة السورية، كما تكشف الوجه الإنساني للانتهاكات ‏التي لا تقف آثارها عند الضحايا، بل تمتد إلى عائلاتهم ‏التي تعيش بين الفقد وانتظار الحقيقة والمساءلة.‏
 
وفي اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على ‏الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، الذي يصادف الثاني ‏من تشرين الثاني من كل عام، تعود قصة نبيل إلى الواجهة ‏بوصفها تذكيراً بحق الضحايا وعائلاتهم في معرفة ‏الحقيقة، وبضرورة ألا تتحول الجرائم المرتكبة بحق ‏الصحفيين إلى وقائع منسية بلا محاسبة.‏

كاميرا في الميدان.. واعتقال غيّر مسار الحكاية

بدأت علاقة نبيل الشربجي (1984-2015) بالصحافة ‏مع انطلاق الحراك الشعبي، إذ اختار العمل الإعلامي ‏رغم حصوله على شهادة في المجال الزراعي، مفضلاً ‏المهنة التي أحبها على المسار الذي اقترحته عليه ‏عائلته.‏

والد الشهيد الصحفي نبيل الشربجي 2 "لا ‏تنسونا".. وصية نبيل الشربجي ووجع عائلات ‏الصحفيين المفقودين

ويستعيد والده وليد الشربجي، في حديث لـ سانا، تلك ‏البداية، موضحاً أنه طلب من ابنه العمل في الزراعة ‏بعد تخرجه، لكنه أصر على متابعة الصحافة، لشغفه ‏بها ورغبته في ممارستها.‏

ويقول: إن نبيل لم يترك مظاهرة في داريا ودمشق إلا ‏وشارك في تغطيتها، وكان حاضراً في محيط المساجد ‏والأسواق والساحات العامة، متنقلاً بين مواقع الاحتجاج ‏لتوثيق ما يجري ونقل أحداثه.‏
 
ومع تصاعد الملاحقات الأمنية، اضطر الشربجي الابن ‏إلى التنقل بين منازل أصدقائه ومعارفه تفادياً للاعتقال، ‏وكان يطمئن والده أحياناً بأنه خارج البلاد، بينما كان لا ‏يزال داخل سوريا ويتجنب الظهور في الأماكن العامة.‏
 
لكن محاولات الاختباء لم تمنع اعتقاله قرب فرن ‏البيادر في داريا، عند حاجز للمخابرات الجوية التابعة ‏للنظام البائد أثناء توجهه لوداع أحد أصدقائه، وفق ‏رواية والده، الذي يضيف أن خبر اعتقاله انتشر لاحقاً ‏عبر الإنترنت.‏

زيارة أخيرة.. وذاكرة أب لا تنسى

بعد انتقال الشربجي إلى سجن صيدنايا، تمكن والده من ‏زيارته مرة واحدة، وهي الزيارة التي بقيت تفاصيلها ‏راسخة في ذاكرته، لما عكسته من تدهور الحالة ‏الصحية لابنه، إذ يصفه بأنه كان “جلداً وعظماً”.‏
 
ويستعيد الوالد لحظة لقائه، حين سأله نبيل عن جدته ‏وأخيه وبقية أفراد العائلة، فأجابه: إن الجميع بخير، ‏رغم وفاة بعضهم، خشية أن يزيد إخباره بذلك من ‏معاناته داخل السجن.‏
 
ولم تمضِ سوى نحو عشرة إلى خمسة عشر يوماً على ‏تلك الزيارة حتى تلقى والده نبأ وفاة ابنه، لتنتهي بذلك ‏رحلة الانتظار على وقع خبر الفقد، فيما بقيت تفاصيل ‏ما تعرض له داخل المعتقل وأسئلة المسؤولية ‏والمحاسبة جزءاً من القضية التي لم تغب عن ذاكرة ‏عائلته.‏

‏”لا تنسونا”.. وصية من خلف القضبان‏

ولم تقتصر حكاية الشربجي على شهادة عائلته، إذ ‏يستعيد السياسي والحقوقي مروان العش، الذي تعرف ‏إليه خلال بدايات الحراك الشعبي، لقاءاته مع ناشطي ‏داريا، ومن بينهم نبيل وأسامة نصار ويحيى الشربجي.‏

مروان العش "لا ‏تنسونا".. وصية نبيل الشربجي ووجع عائلات ‏الصحفيين المفقودين

ويشير العش إلى حضور نبيل في المظاهرات حاملاً ‏كاميرته، متنقلاً بين المشاركين لتوثيق الأحداث ونقل ‏الشعارات السلمية، لافتاً إلى حرصه على البقاء في ‏الميدان وتغطية ما يجري رغم المخاطر الأمنية التي ‏كانت تحيط بالصحفيين والناشطين آنذاك.‏

ومن بين الذكريات التي لا تزال حاضرة لديه لقاء ‏جمعه بالشربجي في سجن عدرا، قبل نقله إلى صيدنايا، ‏حين طلب منه ألا ينسى المعتقلين وقضيتهم، قائلاً: ‌‏”أستاذ مروان أنت سياسي وبتعرفنا، لا تنسونا، نحن ‏هلق بظرف صعب”.‏
 
ويقول العش: إن هذه الكلمات بقيت حاضرة في ذاكرته، ‏وإنه واصل متابعة قضايا المعتقلين وتوثيق الانتهاكات ‏التي تعرضوا لها في السجون ومراكز الاحتجاز.‏
 
كما قدم شهادة عن الشربجي خلال مداخلة في جلسة ‏استماع عقدتها محكمة الشعب في لاهاي عام 2022، ‏تناولت ثلاث قضايا لاغتيال صحفيين، هي قضية نبيل ‏الشربجي عام 2015، والصحفي لاسانثا ويكرماتونج ‏في سريلانكا عام 2009، والصحفي ميغيل أنخيل لوبيز ‏فيلاسكو في المكسيك عام 2011.‏

الحقيقة حق لا يسقط بمرور الزمن

بين صورة يحتفظ بها أب لابنه قبل الاعتقال، ولقاء ‏يستعيده رفيق من خلف قضبان السجن، تتجسد حكاية ‏نبيل الشربجي بأكثر من وجه، صحفي اختار الكاميرا ‏طريقاً لنقل الأحداث، وعائلة دفعت سنوات من الانتظار ‏والفقد، ووصية تختصر معاناة معتقلين لم تكن أصواتهم ‏تصل إلى الخارج.‏

وبعد سنوات على وفاته، لا تستعيد قصته مجرد سيرة ‏صحفي من داريا، بل تطرح سؤالاً يتجاوز حالته ‏الفردية إلى مصير الصحفيين الذين تعرضوا للقتل أو ‏الاعتقال أو الاختفاء، وحق عائلاتهم في كشف الحقيقة ‏وتحقيق العدالة، فإنهاء الإفلات من العقاب لا يتحقق ‏بمجرد إحياء ذكرى الضحايا، وإنما يبدأ بالتحقيق في ‏الجرائم، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة مرتكبيها، ‏وضمان ألا يبقى استهداف الصحفيين بلا مساءلة، وألا ‏تتحول معاناة عائلاتهم إلى انتظار مفتوح بلا إجابات.‏

تسع حالات قتل من كل عشر بلا محاسبة

تتجاوز قضية الشربجي حدود التجربة السورية، ‏لتندرج ضمن واقع دولي لا يزال يشهد ارتفاعاً في ‏معدلات الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة بحق ‏الصحفيين، بما يهدد سلامتهم وحرية العمل الإعلامي ‏وحق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات.‏
 
ووفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم ‏والثقافة “اليونسكو” لعام 2026، فقد قُتل أكثر من ‌‏1700 صحفي منذ عام 1993 بسبب نقل الأخبار ‏وإيصال المعلومات إلى الجمهور، فيما يفلت ‏المسؤولون عن قتلهم من العقاب في تسع حالات من ‏كل عشر، بحسب مرصد المنظمة للصحفيين المقتولين.‏
 
وأقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم الدولي ‏لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد ‏الصحفيين بموجب القرار رقم 68/163 الصادر عام ‌‏2013، وحددت الثاني من تشرين الثاني موعداً ‏لإحيائه، بهدف حث الدول على التحقيق في الجرائم ‏المرتكبة بحق الصحفيين ومحاسبة المسؤولين عنها.‏
 
ولا تقتصر أهمية هذا اليوم على استذكار الصحفيين ‏الذين فقدوا حياتهم أثناء أداء عملهم، بل تمتد إلى التأكيد ‏على حماية الصحفيين، وضمان حق عائلات الضحايا ‏في معرفة مصير أبنائها، وملاحقة المسؤولين عن ‏الجرائم التي طالتهم.‏
 

مشاركة هذه المقالة