دمشق-سانا
بعد أكثر من نصف قرن على انتهاء مهمات برنامج “أبولو”، في الفضاء تعود البشرية إلى القمر عبر برنامج “أرتيميس” التابع لوكالة ناسا الأمريكية، غير أن هذه العودة لا تحمل طابعاً علمياً فقط، بل تعكس تحولاً عميقاً في بنية النظام الدولي، حيث انتقل الفضاء من مجالٍ للتعاون والاستكشاف إلى ساحة تنافس جيوسياسي بين القوى الكبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة والصين، مع حضور روسي داعم للمحور الثاني.
وقد شكّل نجاح مهمة “أرتيميس 2” في نيسان 2026، التي أعادت رواد الفضاء بسلام بعد رحلة في مدار حول القمر، نقطة تحول في مسار سباق الفضاء الجديد، فالمهمة لم تكن مجرد إنجاز تقني، بل هي إعلان عن بداية مرحلة مختلفة عن سباق الحرب الباردة، أكثر تعقيداً وتشابكاً في أدواتها وأهدافها، لكنها لا تقل عنها تأثيراً على موازين القوى الدولية.
أرتميس 2: إنجاز تقني ورسالة متعددة الأبعاد
مثّلت مهمة “أرتيميس 2” خطوة محورية في مسار العودة البشرية إلى القمر، حيث استمرت الرحلة نحو عشرة أيام، دار خلالها الطاقم حول القمر وبلغوا أبعد مسافة للبشر عن الأرض منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث جرى خلال الرحلة اختبار أنظمة الملاحة، ودعم الحياة والدرع الحراري، وخصوصاً في مرحلة العودة، التي شهدت انقطاع الاتصال لمدة 6 دقائق نتيجة تأثير البلازما الناتجة عن الاحتكاك بالغلاف الجوي.
من جهتها، وكالة ناسا وصفت المهمة بأنها ثمرة عمل آلاف المهندسين ودقة عالية في التخطيط والتنفيذ، فيما أكدت المسؤولة في الوكالة “لوري غليز” أن المهمة جسدت روح التعاون الدولي والإنجاز العلمي المشترك، كما اعتبر مدير الرحلة “ريك هينفلينغ” أن العودة إلى الأرض شكلت لحظة إنسانية بالغة التأثير بعد توتر طويل.
ورغم الطابع العلمي الواضح للمهمة، إلا أن بعدها السياسي كان حاضراً بقوة، إذ جاء الترحيب الرسمي من الإدارة الأمريكية على لسان الرئيس دونالد ترامب ليعكس توظيف هذه النجاحات ضمن خطاب الريادة التكنولوجية الأمريكية في الفضاء، بما يعزز مكانتها الدولية في هذا المجال الحيوي.
سباق الفضاء الجديد وتحوّل الاستراتيجيات
ولا تأتي “أرتيميس 2” بمعزل عن تحولات أوسع في ميزان القوى العالمي، إذ يتزامن تقدم البرنامج الأمريكي مع صعود الصين كقوة فضائية منافسة، فبكين تخطط لإرسال بعثات مأهولة إلى القمر بحلول عام 2030، بالتوازي مع تعاونها مع روسيا لإنشاء محطة أبحاث قمرية دولية بحلول 2035، ما يعكس نشوء محور فضائي بديل.
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخ نفوذها عبر اتفاقات أرتيميس، التي انضمت إليها عشرات الدول، والتي تهدف إلى وضع إطار تنظيمي للنشاط القمري وفق رؤية أمريكية، وبذلك لم يعد التنافس مقتصراً على التفوق التكنولوجي، بل امتد إلى بناء التحالفات الدولية، وصياغة قواعد الحوكمة المستقبلية للفضاء.
ويعكس هذا التوجه تحول الفضاء إلى مساحة تنافس سياسي وقانوني، حيث تسعى كل قوة كبرى إلى تثبيت معاييرها الخاصة، بما يضمن لها موقعاً متقدماً في إدارة الموارد والأنشطة خارج الأرض.
القمر يتحول إلى محور استراتيجي وبداية عهد جديد
ولم يعد القمر هدفاً علمياً بحتاً، بل أصبح ذا أهمية استراتيجية متزايدة، فوجود موارد محتملة مثل الجليد المائي، ونظير الهيليوم-3 يمنحه قيمة اقتصادية مستقبلية كبيرة، كما أن موقعه يجعله نقطة مثالية لتطوير بنى تحتية فضائية تدعم الرحلات المستقبلية إلى المريخ وما بعده.
إلى جانب ذلك، بدأ البعد الأمني يفرض حضوره في النقاشات الفضائية، حيث يتحدث مسؤولون في سلاح الفضاء الأمريكي عن ضرورة تأمين المجال الممتد بين الأرض والقمر، ما يعكس انتقال المفاهيم الدفاعية إلى خارج المدار الأرضي، ويدفع نحو سباق غير معلن على السيطرة على البنية التحتية الفضائية.
وفي ظل هذا التحول، تصبح شبكات الاتصالات والملاحة القمرية عنصراً حاسماً في تحديد ميزان القوى المستقبلي، إذ إن الجهة التي تنجح في تأسيس هذه البنية أولاً ستكون قادرة على التأثير في قواعد التشغيل، والمعايير التقنية المعتمدة دولياً.
ويرى علماء فضاء أنه مع تزايد وتيرة الخطط لإنشاء قواعد قمرية، وإطلاق بعثات مأهولة نحو المريخ، فإن الفضاء يتجه ليكون أحد أبرز ميادين التنافس في القرن الحادي والعشرين، في وقت تتشكل فيه ملامح مرحلة جديدة ستحدد طبيعة الحضور البشري خارج الأرض لعقود قادمة.
يذكر أن مهمة “أرتيميس 2″، أقلعت من مركز كينيدي الفضائي في فلوريدا في الأول من نيسان الجاري وعلى متنها ثلاثة أمريكيين هم ريد وايزمان، وفيكتور غلوفر، وكريستينا كوك، والكندي هانسن.
ويهدف برنامج أرتيميس الذي كُشف عنه خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب إلى إقامة وجود بشري دائم على القمر في نهاية المطاف، والتمهيد لرحلات مقبلة نحو المريخ، لكنه تعرض لتأخيرات كثيرة في السنوات الأخيرة.