الأربعاء 28 أكتوبر 2026 — دمشق
|

صدام أحمد.. فتى اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في جباتا الخشب قبل عامين ونصف‏

القنيطرة-سانا‏

في صباح الخامس والعشرين من نيسان عام 2024، لم يكن الفتى صدام أحمد (16 ‏عاماً) يدرك أن خروجه المعتاد لرعي المواشي عند أطراف قريته جباتا الخشب في ‏ريف القنيطرة سيكون آخر ما يربطه بأرض بلدته المحاذية للجولان السوري المحتل، ‏فعند الساعة السابعة والنصف صباحاً، انقطعت أخباره بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال ‏الإسرائيلي من منطقة المراعي، لتبدأ عائلته رحلة طويلة من الانتظار والقلق ما زالت ‏مستمرة حتى اليوم.‏

C1837T01 صدام أحمد.. فتى اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في جباتا الخشب قبل عامين ونصف‏

ويروي والد الفتى حسن سعد الدين أحمد (47 عاماً) لمراسل سانا تفاصيل المعاناة ‏التي تعيشها الأسرة منذ ذلك اليوم قائلاً: “كنا نأمل أن تنتهي هذه المحنة سريعاً عبر ‏قنوات التنسيق مع قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، نظراً لكون ‏صدام طفلاً أعزل لا حول له ولا قوة، لكن الأشهر تحولت إلى سنوات من الغياب ‏المفتوح دون أي مؤشرات حقيقية على انفراج قريب”.‏

تجريف مزرعة الأسرة

ويوضح أن معاناة الأسرة لم تتوقف عند اعتقال صدّام، إذ عادت جرافات الاحتلال ‏بعد نحو شهر واحد لتجرف مزرعة العائلة بالكامل، وتسويها بالأرض مدمرة الأشجار ‏والمبنى الصغير القائم فيها، ويضيف: “لم يكتف الاحتلال بحرماننا من ابننا، بل سعى ‏أيضاً إلى محو كل ما يرتبط بحياتنا في تلك الأرض، تحولت الذكريات إلى جرح ‏مفتوح لا يندمل”.‏

ويصف الأب المكلوم وطأة الأيام قائلاً: “لقد حُرمنا من لذة العيش.. مرارة الفقد ‏تلاحقنا في كل تفاصيلنا، حتى إن الماء يصبح مرّ المذاق في صدورنا كلما تزاحمت ‏ذكريات صدام، ما حدث لابني ليس مجرد احتجاز، بل عملية اختطاف مكتملة ‏الأركان لطفل أعزل”.‏

اعتقالات تطال أبناء المنطقة

C1665T01 صدام أحمد.. فتى اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في جباتا الخشب قبل عامين ونصف‏

ويشير والد صدام إلى أن قصة ابنه ليست سوى مرآة تعكس مشهداً أوسع وأشد قسوة ‏يعيشه الجنوب السوري، حيث يقبع عشرات المعتقلين من أبناء المنطقة في زنازين ‏الاحتلال، وبينهم قاصرون، وطلاب مدارس وجامعات، وآباء تركوا عائلاتهم دون ‏معيل.‏

ويلفت إلى أن هذه المعاناة تتفاقم مع استمرار عمليات التجريف والتوغلات التي تقلّص ‏المساحات الزراعية والمراعي، ما ينعكس سلباً على مصادر رزق الأهالي الذين ‏يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي.‏

أبواب كثيرة وخبر وحيد

على مدى أشهر طويلة عاشت العائلة في عتمة المجهول، دون أي خبر يطمئن ‏القلوب، حيث يروي الأب كيف طرقوا كل الأبواب المتاحة، بما فيها منظمة الصليب ‏الأحمر الدولي، حتى أثمرت الجهود الحثيثة عبر مؤسسة حقوقية في الضفة الغربية ‏المحتلة بعد أربعة أشهر من الصمت، عن خبر يتيم مفاده: “صدام يقبع في معتقل ‏للاحتلال، وهو على قيد الحياة”.‏

ورغم ما حمله هذا الخبر من طمأنينة، إلا أن الأب يؤكد أنه لم يتمكن حتى اليوم من ‏سماع صوت ابنه البكر أو الاطمئنان على أوضاعه بشكل مباشر.‏

ويقول: “كيف يواجه قسوة السجّان.. كل ما أتمناه الآن صورة أو تسجيل صوتي ‏يطمئنني عليه.. كان صدام سند العائلة والابن الأكبر الذي نعتمد عليه في أمور كثيرة، ‏شقيقاته ما زلن صغيرات، وغيابه ترك فراغاً كبيراً في حياتنا”.‏

حلم العودة إلى البيت

C1664T01 صدام أحمد.. فتى اعتقله الاحتلال الإسرائيلي في جباتا الخشب قبل عامين ونصف‏

في نهاية المطاف، يختزل والد صدام جميع أمنياته بأن يسمع وقع خطوات ابنه على ‏عتبة ‏المنزل ويوجه إليه رسالة: “أعلم أن صوتي قد لا يصلك، لكنني أدعو الله أن ‏يحفظك ‏وييسر أمرك ويعيدك إلينا سالماً”.‏

وعن اليوم الذي يترقبه منذ اعتقال ابنه، يقول بابتسامة يختلط فيها الأمل بالألم: ‌‏”بمجرد ‏أن يدخل صدام إلى البيت ستعود الحياة إلينا.. لن أحتاج إلى شيء آخر، ‏عودته وحدها ‏تكفي”.‏

التمسك بالأرض رغم التضييق

معاناة عائلة صدام أحمد جزء من واقع صعب يعيشه أهالي ريف القنيطرة وريف درعا ‏الغربي، في ظل ممارسات الاحتلال، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية مع المخاطر ‏على الحياة، ورغم تراجع المساحات الزراعية وتضرر قطاع الثروة الحيوانية، يتمسك ‏الأهالي بأرضهم ويرفضون مغادرتها، مؤكدين أن البقاء فيها يشكل خط الدفاع الأول ‏عن هوية المنطقة وانتمائها.‏

وتناشد العائلات عبر “سانا” الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والمنظمات ‏الحقوقية العالمية، للتدخل العاجل والضغط على سلطات الاحتلال للإفراج عن ‏المعتقلين، وفي مقدمتهم القاصرون، ووضع حد لانتهاكاته وجرائمه.‏
‏ ‏
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أوضح في مؤتمر صحفي سابق ‏مع نظيره الدنماركي لارس لوكه راسموسن، أن قوات الاحتلال نفذت 147 عملية ‏اعتقال منذ مطلع العام حتى أيلول الماضي، مشيراً إلى أن 49 معتقلاً لا يزالون قيد ‏الاحتجاز.‏

مشاركة هذه المقالة