القنيطرة-سانا
في صباح الخامس والعشرين من نيسان عام 2024، لم يكن الفتى صدام أحمد (16 عاماً) يدرك أن خروجه المعتاد لرعي المواشي عند أطراف قريته جباتا الخشب في ريف القنيطرة سيكون آخر ما يربطه بأرض بلدته المحاذية للجولان السوري المحتل، فعند الساعة السابعة والنصف صباحاً، انقطعت أخباره بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي من منطقة المراعي، لتبدأ عائلته رحلة طويلة من الانتظار والقلق ما زالت مستمرة حتى اليوم.

ويروي والد الفتى حسن سعد الدين أحمد (47 عاماً) لمراسل سانا تفاصيل المعاناة التي تعيشها الأسرة منذ ذلك اليوم قائلاً: “كنا نأمل أن تنتهي هذه المحنة سريعاً عبر قنوات التنسيق مع قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (الأندوف)، نظراً لكون صدام طفلاً أعزل لا حول له ولا قوة، لكن الأشهر تحولت إلى سنوات من الغياب المفتوح دون أي مؤشرات حقيقية على انفراج قريب”.
تجريف مزرعة الأسرة
ويوضح أن معاناة الأسرة لم تتوقف عند اعتقال صدّام، إذ عادت جرافات الاحتلال بعد نحو شهر واحد لتجرف مزرعة العائلة بالكامل، وتسويها بالأرض مدمرة الأشجار والمبنى الصغير القائم فيها، ويضيف: “لم يكتف الاحتلال بحرماننا من ابننا، بل سعى أيضاً إلى محو كل ما يرتبط بحياتنا في تلك الأرض، تحولت الذكريات إلى جرح مفتوح لا يندمل”.
ويصف الأب المكلوم وطأة الأيام قائلاً: “لقد حُرمنا من لذة العيش.. مرارة الفقد تلاحقنا في كل تفاصيلنا، حتى إن الماء يصبح مرّ المذاق في صدورنا كلما تزاحمت ذكريات صدام، ما حدث لابني ليس مجرد احتجاز، بل عملية اختطاف مكتملة الأركان لطفل أعزل”.
اعتقالات تطال أبناء المنطقة

ويشير والد صدام إلى أن قصة ابنه ليست سوى مرآة تعكس مشهداً أوسع وأشد قسوة يعيشه الجنوب السوري، حيث يقبع عشرات المعتقلين من أبناء المنطقة في زنازين الاحتلال، وبينهم قاصرون، وطلاب مدارس وجامعات، وآباء تركوا عائلاتهم دون معيل.
ويلفت إلى أن هذه المعاناة تتفاقم مع استمرار عمليات التجريف والتوغلات التي تقلّص المساحات الزراعية والمراعي، ما ينعكس سلباً على مصادر رزق الأهالي الذين يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة وتربية المواشي.
أبواب كثيرة وخبر وحيد
على مدى أشهر طويلة عاشت العائلة في عتمة المجهول، دون أي خبر يطمئن القلوب، حيث يروي الأب كيف طرقوا كل الأبواب المتاحة، بما فيها منظمة الصليب الأحمر الدولي، حتى أثمرت الجهود الحثيثة عبر مؤسسة حقوقية في الضفة الغربية المحتلة بعد أربعة أشهر من الصمت، عن خبر يتيم مفاده: “صدام يقبع في معتقل للاحتلال، وهو على قيد الحياة”.
ورغم ما حمله هذا الخبر من طمأنينة، إلا أن الأب يؤكد أنه لم يتمكن حتى اليوم من سماع صوت ابنه البكر أو الاطمئنان على أوضاعه بشكل مباشر.
ويقول: “كيف يواجه قسوة السجّان.. كل ما أتمناه الآن صورة أو تسجيل صوتي يطمئنني عليه.. كان صدام سند العائلة والابن الأكبر الذي نعتمد عليه في أمور كثيرة، شقيقاته ما زلن صغيرات، وغيابه ترك فراغاً كبيراً في حياتنا”.
حلم العودة إلى البيت

في نهاية المطاف، يختزل والد صدام جميع أمنياته بأن يسمع وقع خطوات ابنه على عتبة المنزل ويوجه إليه رسالة: “أعلم أن صوتي قد لا يصلك، لكنني أدعو الله أن يحفظك وييسر أمرك ويعيدك إلينا سالماً”.
وعن اليوم الذي يترقبه منذ اعتقال ابنه، يقول بابتسامة يختلط فيها الأمل بالألم: ”بمجرد أن يدخل صدام إلى البيت ستعود الحياة إلينا.. لن أحتاج إلى شيء آخر، عودته وحدها تكفي”.
التمسك بالأرض رغم التضييق
معاناة عائلة صدام أحمد جزء من واقع صعب يعيشه أهالي ريف القنيطرة وريف درعا الغربي، في ظل ممارسات الاحتلال، حيث تتداخل التحديات الاقتصادية مع المخاطر على الحياة، ورغم تراجع المساحات الزراعية وتضرر قطاع الثروة الحيوانية، يتمسك الأهالي بأرضهم ويرفضون مغادرتها، مؤكدين أن البقاء فيها يشكل خط الدفاع الأول عن هوية المنطقة وانتمائها.
وتناشد العائلات عبر “سانا” الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والمنظمات الحقوقية العالمية، للتدخل العاجل والضغط على سلطات الاحتلال للإفراج عن المعتقلين، وفي مقدمتهم القاصرون، ووضع حد لانتهاكاته وجرائمه.
وكان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أوضح في مؤتمر صحفي سابق مع نظيره الدنماركي لارس لوكه راسموسن، أن قوات الاحتلال نفذت 147 عملية اعتقال منذ مطلع العام حتى أيلول الماضي، مشيراً إلى أن 49 معتقلاً لا يزالون قيد الاحتجاز.


