دمشق-سانا
يمثل تطوير الأصناف النباتية المحسّنة، ولا سيما في المحاصيل القادرة على التكيّف مع الظروف البيئية القاسية، توجهاً متقدماً في دعم القطاع الزراعي وتعزيز استدامته، ويبرز تهجين نبات التين الشوكي كأحد المسارات الواعدة في هذا المجال، نظراً لما يتيحه من تحسين في الإنتاجية والخصائص النوعية، وقدرته على النمو في البيئات الجافة.

وشكل معرض سوريا الدولي الرابع للمكننة الزراعية والثروة الحيوانية ومستلزمات الإنتاج الزراعي “آغرو سيريا” منصة للتعرف على هذه التجربة التي نفذها الباحث أحمد الناصير الحاصل على دكتوراه في كلية الزراعة، والاستفادة من الخبرات والمعارف العلمية المتاحة لتطوير الأصناف واستقطاب الاهتمام المحلي والدولي، وفتح آفاق التعاون والاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
تطوير أصناف هجينة
وأكد الناصير أنه يعمل على تهجين التين الشوكي منذ عام 2017، ضمن مساحة 107 دونم في مزارعه بمحافظة درعا، وتمكن من تحقيق نتائج متقدمة في مجال تهجين نبات التين الشوكي، عبر تطوير أصناف هجينة ذات إنتاجية عالية وخصائص نوعية مميزة، حيث تعد هذه التجربة من بين التجارب المتقدمة والواعدة، ولا سيما على صعيد الجهود البحثية الفردية.

وأشار الناصير إلى أن إنتاجيته لا تتحقق بشكل فوري، بل تمر النباتات بمراحل نمو تدريجية، حيث تُخصص السنة الأولى للنمو الخضري دون إنتاج يُذكر، ثم يبدأ الإنتاج بالظهور في السنة الثانية ليبلغ نحو 20 طناً للهكتار، ويرتفع في السنة الثالثة إلى قرابة 35 طناً للهكتار، قبل أن تدخل النباتات في السنة الرابعة مرحلة الإنتاج الكامل، ليصل إلى نحو 75 طناً للهكتار، منها ما بين 20 و25 طنًا إنتاج شتوي.
وبين الناصير أن عملية التهجين تمت عبر إجراء التلقيح بين أصناف من النوع نفسه، وزراعة البذور الناتجة، ثم انتخاب أفضل السلالات على مدى أربع سنوات، وفق معايير علمية شملت الإنتاجية، وقلة الأشواك، وسرعة النمو، ومقاومة الأمراض الفطرية، ما أفضى إلى اختيار ثلاثة أصناف متميزة يجري العمل حالياً على تسجيلها لحماية الملكية الفكرية.
محدودية الأصناف وقلة المراجع
ومن أبرز التحديات التي واجهت الناصير في مسيرته البحثية، محدوديةُ توفّر الأصناف الأم اللازمة لإجراء عمليات التهجين، الأمر الذي قيّد نطاق التجارب وأبطأ الوصول إلى نتائج دقيقة وقابلة للتطبيق، إلى جانب قلة المراجع العلمية المتخصصة بنبات التين الشوكي، ولا سيما في مجالي التهجين والتصنيف، إذ اضطر إلى الاعتماد على مصادر متفرقة واجتهادات فردية لسدّ هذا النقص المعرفي.
ملائم للزراعة في المناطق الجافة

ولفت الباحث الزراعي إلى أهمية محصول التين الشوكي، كونه ملائماً للزراعة في المناطق الجافة وذات الملوحة المرتفعة، وتعدد استخداماته، ما يجعله خياراً واعداً لتعزيز الأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة، مشيراً إلى إمكانية زراعته بطرق صديقة للبيئة خالية من المبيدات الكيميائية.
الإدارة المتكاملة للآفات
وأشار الباحث الزراعي إلى تعاونه مع عدد من الجهات والمنظمات الدولية للاستفادة من خبراتها في هذا المجال، منها شبكة الآغا خان للتنمية (AKDN) في مجالات توريد الألواح النباتية، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، في مجالات البحث العلمي وتطبيق أساليب الإدارة المتكاملة للآفات، ولا سيما فيما يتعلق بالحشرة القرمزية والمكافحة الحيوية باستخدام الحشرة المفترسة لها.
ولفت الناصير إلى تعاونه مع هذه المنظمات في تطوير أساليب المكافحة الحيوية، حيث عمل على تربية أعداء حيوية للحشرة القرمزية، التي تُعد من أخطر الآفات التي تصيب التين الشوكي، مشيراً إلى نجاحه في تربية أحد هذه المفترسات، وهو نوع من الخنافس ينتمي إلى عائلة غمديات الأجنحة، ويُعرف علمياً باسم “Hyperaspis trifurcata”، والذي يتغذى على الحشرة القرمزية ويسهم في الحد من انتشارها.
وأكد الناصير أن مشاركته في فعاليات معرض “آغرو سيريا” الزراعي، تشكل فرصة مهمة لتبادل الخبرات وعقد شراكات مستقبلية، في ظل الاهتمام الكبير من قبل الزوار والجهات المعنية.
خصائص نوعية وإنتاجية واعدة
وأبدى عدد من زوار الجناح الذي يعرض فيه الباحث الزراعي تجربته اهتماماً لافتاً بالأصناف الهجينة المعروضة، مشيرين إلى ما تتمتع به من خصائص نوعية وإنتاجية واعدة، مؤكدين أن تحقيق إنتاجية مرتفعة في مثل هذه الظروف قد يشكّل فرصة حقيقية لتوسيع زراعة هذا المحصول وتحسين دخل المزارعين.

وأشاروا إلى أن التجربة تستند إلى منهجية علمية واضحة، من حيث التركيز على مقاومة الأمراض بما يسهم في تسهيل عمليات الخدمة الزراعية، إضافة إلى أهمية تعزيز حضور المنتج في الأسواق وتسويقه محلياً وإمكانية التوسع نحو التصدير.
وتعرض الأجنحة المشاركة في معرض “آغرو سيريا” الزراعي على مدى أربعة أيام في مدينة المعارض بدمشق، كل ما يتعلق بالمكننة والآليات الزراعية الحديثة، وتقنيات الري، والطاقة البديلة المستخدمة في الزراعة، ومستلزمات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات، وتجهيزات الثروة الحيوانية والدواجن، والحلول والتقنيات الذكية في الزراعة الحديثة.

وانطلقت مساء أمس الخميس بدمشق، فعاليات معرض سوريا الدولي الرابع للمكننة الزراعية والثروة الحيوانية ومستلزمات الإنتاج الزراعي “آغرو سيريا”، بمشاركة أكثر من 120 شركة محلية وعربية ودولية، ويفتح المعرض أبوابه يومياً من الساعة الثالثة عصراً وحتى الساعة التاسعة مساءً، والمواصلات مؤمنة ومجانية من منطقة البرامكة – بجانب وزارة الزراعة ومن أغلب المحافظات السورية.