عواصم-سانا
يمثّل إغلاق مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، إحدى أخطر الأزمات التي تواجه صناعة الكيماويات العالمية، ليس بسبب اضطراب الإمدادات على المدى القصير، بل لأنه يسرّع تحولات هيكلية كانت الصناعة تعانيها بالفعل منذ سنوات.
ومع التصعيد الأخير في الحرب وضرب إسرائيل مجمعاً للبتروكيماويات جنوب غرب إيران، يمكن أن تتفاقم إلى مستويات أعلى.
ويشير تقرير مطول لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة نشرته شبكة “سي إن إن” اليوم الإثنين، إلى أن الوضع الحالي بالنسبة لمنتجي الكيماويات حول العالم يفرض مخاطر وجودية على المدى القريب والبعيد.
صناعة مثقلة بفائض المعروض
ويلفت التقرير، إلى أنه وقبل تعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز، شهدت معدلات استغلال الطاقات الإنتاجية في العالم تراجعاً بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة، مع تشغيل العديد من المصانع عند مستويات تقترب من نقطة التعادل المالي أو تقل عنها.
ونتج هذا الوضع عن مزيج من الاستثمارات الرأسمالية القياسية، ونمو الطلب الذي جاء أقل من التوقعات بصورة متواصلة.
وتبدو الأزمة الحالية مرشحة بقوة إلى تفاقم هذا الخلل بصورة ملموسة، فمع احتمالات تراجع الطلب خلال عام 2026 وضعف البيئة الاقتصادية العالمية، تزداد التوقعات سوءاً بالنسبة لمعدلات تشغيل المصانع، وخصوصاً أن التوقعات السابقة للأزمة أشارت إلى مزيد من التراجع في معدلات تشغيل الصناعات الكيماوية عالمياً، لتصل لمستويات متدنية خلال عامي 2027 و2028، وفقاً للتقرير.
آسيا مركز الأزمة
وتكمن خطورة أزمة مضيق هرمز في أنها تضرب القطاع من جهتين في وقت واحد، فإمدادات المواد الخام للصناعة مثل النفط الخام وغاز البترول المسال، معطلة بسبب إغلاق المضيق، أمّا الجهة الأخرى فتتعلق بتوقف صادرات المنتجات الكيماوية القادمة من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية.
ويقول التقرير: إن الشرق الأوسط يعد مورداً رئيسياً للمواد الخام الكيماوية لآسيا، كما يمثّل مصدراً مهماً لمنتجات مثل البولي أوليفينات والميثانول والأمونيا واليوريا والإيثيلين، ما تسبب هذا التعطل في التدفقات في إحداث خلل فوري في توازن الأسواق العالمية.
ويصف التقرير آسيا بأنها مركز الأزمة، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط والنافثا وغاز البترول المسال من الشرق الأوسط، إذ إن نحو 85% من صادرات النفط الخام الشرق أوسطية تتجه إلى آسيا، كما أن جميع صادرات النافثا وغاز البترول المسال من المنطقة تذهب إلى الأسواق الآسيوية.
ونتيجة لذلك، واجهت مصانع البتروكيماويات الآسيوية نقصاً حاداً في المواد الخام وتأخيرات لوجستية، وتدهوراً في هوامش الربحية.
ويشير التقرير إلى أن نحو 45% من طاقات إنتاج الإيثيلين في آسيا خارج الصين، كانت متوقفة خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، وأن أكثر من نصف هذه التوقفات ارتبط مباشرة بالحرب وتعطل الإمدادات.
20% من الإمدادات العالمية خارج السوق
يُقدر معهد أكسفورد للطاقة أن نحو 20% من الإمدادات العالمية أصبحت خارج السوق، بسبب تعطل تدفقات المواد الخام والصادرات الكيماوية عبر مضيق هرمز.
ويتوقع أن تتفاقم الأزمة كلما طال أمدها، إذ ستفضّل المصافي توجيه النافثا وغاز البترول المسال لإنتاج الوقود بدلاً من استخدامها في الصناعات الكيماوية، ما يزيد الضغوط على القطاع، في حين أن الأسواق العالمية لا تمتلك بدائل كافية لتعويض نقص الإمدادات، بحسب التقرير.
وتبرز أمريكا كأهم مصدر بديل بفضل اعتمادها على الإيثان المحلي، لكنها لا تمتلك سوى طاقات فائضة محدودة تعادل نحو 1.5% فقط من الإمدادات العالمية للإيثيلين.
أما في آسيا، فالمشكلة أكثر حدة لأن العديد من المصانع تحتفظ بمخزونات تكفي أسبوعين أو 3 أسابيع من النافثا، ومع استنزاف هذه المخزونات بدأت الضغوط التشغيلية تتزايد بصورة كبيرة.
آثار طويلة الأجل على الطلب العالمي
وتوقع التقرير أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تدمير جزء من الطلب العالمي على المنتجات الكيماوية خلال 2026.
وتقدر الخسائر المحتملة في الطلب على الإيثيلين بما يتراوح بين مليوني طن و20 مليون طن، أي انخفاض يتراوح بين 1% و10%، مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى نمو بنحو 2%.
ويشير التقرير إلى أن تراجع الطلب بهذا الحجم نادر تاريخياً، إذ لم يشهد العالم انخفاضاً سنوياً في الطلب على الإيثيلين منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
وقبل أزمة المضيق، كان القطاع يحتاج بالفعل إلى إغلاق أكثر من 20 مليون طن من طاقات إنتاج الإيثيلين بحلول 2030 لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، أما بعد الأزمة، فقد تتجاوز الحاجة إلى الإغلاقات 30 مليون طن من الطاقات الإنتاجية العالمية إذا تحقق سيناريو تراجع الطلب.
ويختتم التقرير بالإشارة إلى أن تتركز الإغلاقات المستقبلية في المناطق الأعلى تكلفة، وعلى رأسها أوروبا وبعض الدول الآسيوية، حيث تصبح القدرة التنافسية أضعف مقارنة بالولايات المتحدة والشرق الأوسط.