عواصم-سانا
يمثل مصير مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب إحدى أكثر القضايا حساسية في المفاوضات الجارية بوساطات إقليمية بين واشنطن وطهران لإنهاء الحرب، في ظل تضارب واضح في المواقف بشأن كيفية التعامل معه، بين مطالب أمريكية بنقله إلى الولايات المتحدة ورفض إيراني قاطع لهذا الخيار.
فقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب ما نقلت عنه وكالة فرانس برس، أن بلاده ستعمل مع إيران على استخراج اليورانيوم المخصب من المواقع النووية التي تعرضت للتدمير، تمهيداً لنقله إلى الولايات المتحدة بموجب أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه، وفي المقابل نفت السلطات الإيرانية ذلك، مؤكدة أن نقل هذه المواد إلى الخارج “ليس خياراً مطروحاً”.
أين بات المخزون؟
وتثار حالياً تساؤلات متزايدة حول مصير هذا المخزون، في ظل غياب معلومات موثوقة ومؤكدة عن حجم الأضرار التي لحقت بمنشآت التخصيب أو التخزين الإيرانية خلال حرب حزيران 2025 والحرب الحالية.
وفي هذا السياق، كشف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في مقابلة مع مجلة “الإيكونوميست” البريطانية يوم الأربعاء الماضي، أن “الوكالة لا تعلم في الوقت الحالي مكان نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب”، مشيراً إلى أن التقديرات العامة تفيد بأن هذه المواد لا تزال في مواقعها ولم يتم نقلها.
من جانبهم، أفاد خبراء من المعهد الأمريكي للعلوم والأمن الدولي، المتخصص بمراقبة البرنامج النووي الإيراني، بأن مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب لا يزال غامضاً منذ حزيران 2025، موضحين أن طهران ترفض السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المواقع التي دمرتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
ورجح الخبراء أن يكون جزء كبير من المخزون مدفوناً في أنفاق في منشأة أصفهان وسط إيران، فيما يعتقد أن جزءاً آخر لا يزال تحت الأنقاض في منشأة فوردو.
خلاف حول نقله إلى خارج إيران
وفي ظل تضارب المواقف بين واشنطن وطهران، تتركز النقاشات حول ثلاثة خيارات رئيسية للتعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب، تشمل: نقله إلى الولايات المتحدة، أو إلى طرف ثالث، أو إبقاءه داخل إيران مقابل ترتيبات تتعلق بتجميد التخصيب أو خفض مستواه وإخضاعه لقيود ورقابة دولية.
وقال ترامب في خطاب ألقاه أمس الجمعة: “يتساءل أحدهم كيف سنحصل على الغبار النووي؟ سنستخرجه بالدخول مع إيران بواسطة الكثير من الحفارات، لكننا سندخل معاً، وسنستخرجه ونعيده إلى الولايات المتحدة قريباً جداً”، مجدداً تأكيد ما أعلنه قبل أيام بأن إيران وافقت على تسليم اليورانيوم المخصب، دون تقديم تفاصيل حول آلية النقل.
غير أن هذا الإعلان قوبل مباشرة بموقف إيراني رافض، إذ أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن اليورانيوم المخصب الإيراني “لن ينقل إلى أي مكان”، وأن نقله إلى الولايات المتحدة “ليس خياراً مطروحاً أساساً”، معتبراً أن هذا الملف يمثل بالنسبة لإيران مسألة جوهرية.
خيار الطرف الثالث
وفي موازاة هذه المواقف المتناقضة، يجري التداول باقتراح يقضي بنقل المخزون الإيراني إلى دولة ثالثة بدلاً من تسليمه مباشرة إلى الولايات المتحدة.
وقد طرحت روسيا هذا الخيار بقوة، معلنة استعدادها لتسلم اليورانيوم الإيراني المخصب في إطار أي اتفاق محتمل، حيث أكد الكرملين أن موسكو لا تزال مستعدة لقبول المخزون الإيراني على أراضيها، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن واشنطن رفضت هذا الاقتراح.
ولروسيا سابقة في هذا المجال، إذ شحنت إيران عام 2015، وبموجب خطة العمل الشاملة المشتركة للاتفاق النووي، نحو 11 ألف كيلوغرام من اليورانيوم منخفض التخصيب إلى روسيا.
وفي السياق ذاته، برزت الصين أيضاً كخيار محتمل لتسلم اليورانيوم الإيراني المخصب، حيث نقلت وكالة “أسوشيتد برس” عن دبلوماسي مطلع على موقف بكين قوله: إن الصين منفتحة على استلام نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب، أو خفض مستوى تخصيبه إلى مستويات صالحة للاستخدامات المدنية، إذا طلبت واشنطن وطهران ذلك.
وكما حدث في اتفاق عام 2015، لا تبدو فكرة نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة مرفوضة بالكامل من الجانبين، ولا سيما أنها قد توفر لإيران مخرجاً سياسياً من خيار التسليم المباشر إلى الولايات المتحدة.
وفي ظل استمرار هذا التضارب في المواقف، يبقى مصير اليورانيوم الإيراني المخصب جوهر الخلاف في أي تفاهم نووي محتمل بين إيران والولايات المتحدة، بينما تتجه الأنظار إلى جولة جديدة من المفاوضات بين الجانبين في إسلام أباد، لم يُحدد موعدها بعد، بعد أن انتهت الجولة الأولى دون نتائج.