دمشق-سانا
برزت الزراعة المنزلية في سوريا خياراً فعّالاً يسهم في تعزيز الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، بعدما اعتمدت عليها الأسر في المدن والأرياف خلال السنوات السابقة لتأمين احتياجاتها الغذائية، وتوفير دخل إضافي، ما أسهم في تعزيز وجودها، وخصوصاً لدى ذوي الدخل المحدود، عبر تسويق الفائض من الإنتاج.
ورغم التحديات المتعددة التي واجهت هذا القطاع، ما زالت تمثل أحد الحلول الفاعلة والعملية لتمكين الأسر من الاعتماد على ذاتها، وتخفيف الأعباء عنها، وتقليص الاعتماد على الأسواق، في ظل التقلبات السعرية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعلها خياراً مستداماً وذا جدوى اقتصادية واجتماعية متزايدة الأهمية.
تنوع المحاصيل وإمكانية الإنتاج
وتتنوع المزروعات التي يمكن إنتاجها في المنازل وفق المساحات المتاحة، وتشمل الخضراوات الورقية مثل الخس والسبانخ والبقدونس، إضافة إلى محاصيل مثل البندورة والخيار والكوسا والباذنجان والفليفلة، فضلاً عن النباتات العطرية والطبية التي تسهل زراعتها حتى في المساحات الصغيرة.
تحسين الواقع المعيشي
وأكد أحمد الحسن، المقيم في أحد أحياء دمشق لـ سانا، أنه يعتمد على الزراعة المنزلية كأحد الخيارات المتاحة لتحسين الواقع المعيشي وتأمين جزء من الاحتياجات الغذائية اليومية، رغم محدودية المساحة، حيث استثمر شرفة منزله في زراعة عدد من الخضراوات والنباتات العطرية، مستخدماً أوعية وأصصاً بسيطة، مشيراً إلى أن هذه التجربة أثبتت نجاحها في إنتاج كميات جيدة من المحاصيل، مثل النعناع والبقدونس والبندورة الكرزية والفلفل، بما يلبي جزءاً من احتياجات أسرته.
ولفت الحسن إلى أن الزراعة في الشرفات لا تحتاج إلى مساحات كبيرة، بل إلى تنظيم جيد واختيار أنواع نباتات مناسبة، لافتاً إلى أن هذه الطريقة تتيح لسكان المدن الاستفادة من المساحات الصغيرة وتحويلها إلى مصدر إنتاجي مفيد.
استثمار المساحات
وأشار خالد الحمصي من الغوطة الشرقية في ريف دمشق إلى أن الأهالي لجأت خلال السنوات الماضية لاستثمار المساحات الآمنة بجانب منازلهم وكل شبر آمن، لزراعة أصناف متعددة من الخضراوات، كاستراتيجية لتوفير الغذاء، في ظل الحصار الذي تعرضت له المنطقة خلال فترة النظام البائد، ما أسهم في توفير جزء من المواد الغذائية، وتجاوز الحصار الخانق، رغم التحديات التي واجهتهم من نقص الموارد الزراعية وشح الوقود.
ارتفاع أسعار الخضراوات
كما أشار محمود عبد القادر إلى أن الزراعة المنزلية، وخاصة في المناطق الريفية، تُعد من الزراعات التقليدية المتجذّرة، حيث ما زالت في متناول الأهالي، وتعتمد بشكل أساسي على الموارد البسيطة، كاستخدام الأسمدة العضوية والبذار المحسنة، دون الحاجة إلى إدخال المواد الكيميائية في مراحل النمو والإنتاج، ما يجعلها أكثر أماناً وأقل تكلفة.
وأضاف عبد القادر: إن ارتفاع أسعار الخضراوات شكّل عاملاً إضافياً دفعه للاعتماد على الزراعة المنزلية، لافتاً إلى أن السبب الرئيسي يتمثل في ضعف الإمكانيات المادية، وعدم القدرة على شراء هذه المنتجات بشكل دائم
دعم الزراعة المنزلية
وشدد عدد من العاملين بمشاريع الزراعة المنزلية والأهالي، على أهمية دعم هذه الزراعة، من خلال تأمين الأسمدة العضوية والبذار المحسّنة والشتول بمختلف أنواعها بأسعار مشجعة، وتقديم التسهيلات اللازمة، والمساهمة في تغطية جزء من التكاليف، داعين إلى ضرورة تنفيذ دورات تدريبية متخصصة في أساليب الزراعة المنزلية الحديثة للراغبين، وتقديم شتول مجانية في بعض الحالات، بما يعزز القدرات الإنتاجية ويحسّن جودة المحاصيل والمزروعات.
حلول عملية وتقنيات بسيطة
وأوضح الخبير الزراعي أكرم عفيف لـ سانا أنه من الناحية التقنية لا تتطلب الزراعة المنزلية وسائل معقدة، كما يمكن استثمار المساحات الصغيرة مثل الشرفات والأسطح وجدران المنازل من خلال الزراعة العمودية، والزراعة المائية، واستخدام الفلين، ما يتيح إنتاجاً مناسباً حسب المساحة المتاحة، ويمكن للأفراد تطوير خبراتهم واستخدام وسائل حديثة لزيادة الإنتاجية والعائد.
وأشار إلى أن الزراعة المنزلية تحقق وفراً مالياً للعائلة، حيث يمكن لمساحة 200 متر مربع أن توفّر للأسرة نحو 50 ألف ليرة سورية قديمة يومياً في موسمي الصيف والشتاء، إذا توافرت العوامل الأساسية للزراعة وأهمها المياه، بالتالي تحقق عائداً مزدوجاً مادياً وغذائياً، بالتالي تحريك عجلة دورة الأموال، ولا تقتصر هذه الزراعة على الجانب النباتي فقط، بل تشمل أيضا الإنتاج الحيواني.
الزراعة المنزلية تحتاج إلى الدعم
وبين أن تنظيم قطاع الإنتاج الأسري بشقيه النباتي والحيواني، والاستفادة من الخبرات وجمع طاقات المجتمع وإيجاد أسواق للمنتجات ودعم الجهات الحكومية، تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد مهما كانت هذه المشاريع متناهية الصغر، وخاصة أن سوريا بلد منتج يتمتع بموارد طبيعية غنية، ومن الضروري تحويل الطاقات المتاحة لدى المواطنين من حالة استهلاك إلى حالة إنتاج.
وتأتي أهمية التوسع في الزراعة المنزلية لتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي، بهدف دعم الغطاء النباتي وتشجيع السكان على استثمار المساحات المتاحة، سواء في المنازل أو الحدائق الصغيرة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الإنتاج الأسري، وتحفيز الأسر على زراعة الأشجار المثمرة.