موسكو-كييف-سانا
مع تصاعد المواجهة بين روسيا وأوكرانيا، تبرز الطائرات المسيّرة كعامل يعيد تشكيل طبيعة الصراع ويغيّر قواعد الاشتباك التقليدية، حيث تتحول الحرب تدريجياً إلى ساحة تتصدرها الهجمات الجوية منخفضة الكلفة، التي باتت تستهدف العمق الحيوي للطرفين، وتعمّق دائرة الاستنزاف المتبادل.
ولا يقتصر هذا التحول على تغيير طبيعة العمليات القتالية، بل يعكس أيضاً اتساع دائرة الاستنزاف المتبادل، إذ باتت الضربات تُنفَّذ على نطاق جغرافي واسع يمتد من خطوط الجبهة إلى منشآت الطاقة والموانئ وقواعد الإمداد، من دون أن يُفضي ذلك إلى حسم واضح في ميزان السيطرة الميدانية.
وبينما يواصل كل طرف الإعلان عن تكبيد الآخر خسائر، تبقى ساحة المواجهة مفتوحة على مزيد من التصعيد التدريجي، في وقت تُعيد فيه المسيّرات رسم قواعد الاشتباك أكثر من أي سلاح تقليدي آخر.
تصعيد ميداني متواصل
ميدانياً، شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً جديداً تمثل في هجمات متبادلة بالطائرات المسيّرة، واستهدف منشآت عسكرية وبنى تحتية للطاقة، بالتوازي مع استمرار المعارك البرية على عدة محاور في شرق وشمال أوكرانيا.
وشنت القوات الأوكرانية هجوماً واسعاً استهدف 16 هدفاً عسكرياً روسياً خلال الليل، بينها قواعد ومنظومات صاروخية في شبه جزيرة القرم، ومناطق في دونيتسك وزابوروجيا.
وبحسب وكالة الأنباء الأوكرانية، شملت الأهداف أنظمة دفاع جوي ومستودعات وقود وذخيرة، إضافة إلى مواقع يُشتبه باستخدامها لتخزين أو تشغيل طائرات مسيّرة.
كما تحدثت تقارير عن هجمات طالت مصفاة نفط في توابسي جنوب روسيا، إلى جانب أهداف أخرى في مناطق خاضعة للسيطرة الروسية، في إطار ما وصفته كييف بعمليات تهدف إلى تقويض القدرات اللوجستية والعسكرية الروسية.
في المقابل، أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربات واسعة النطاق استهدفت منشآت تابعة للمجمع الصناعي العسكري الأوكراني، وقالت: إنها تشمل مواقع لإنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى منشآت طاقة مرتبطة بالجيش الأوكراني.
وأوضحت أن الضربات نُفذت باستخدام أسلحة دقيقة وطائرات مسيّرة هجومية، وأصابت أهدافاً في عدة مناطق، مشيرة إلى تكبيد القوات الأوكرانية خسائر بشرية ومادية على مختلف الجبهات.
كما أعلنت موسكو إسقاط أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ خلال 24 ساعة، وهي أرقام لم يتسن التحقق منها بشكل مستقل في ظل ظروف الحرب.
وتتواصل المعارك في مناطق دونيتسك وسومي وخاركيف، حيث أفاد مسؤولون أوكرانيون بأن القوات الروسية تحاول التقدم في مناطق حدودية شمال شرق البلاد، مع تركيز على قرى سبق إخلاء سكانها، فيما تستمر الاشتباكات في محيط بوكروفسك ومناطق أخرى شرق البلاد.
وفي مدينة دنيبرو، أعلنت السلطات المحلية مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة آخرين، بعضهم في حالات خطرة، جراء قصف روسي ليلي، مع استمرار عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض.
ضربات الطاقة
على الصعيد الاقتصادي، تواصل أوكرانيا تكثيف استهداف منشآت الطاقة الروسية، بما في ذلك مستودعات النفط والموانئ، في محاولة لتقليص عائدات موسكو من صادرات النفط والمنتجات المكررة.
وفي المقابل، تستهدف موسكو البنى التحتية التي ترى أنها تساعد كييف في المحافظة على قدر مقبول من السيطرة على الأسواق الداخلية، وتأمين المستلزمات الضرورية للأوكرانيين.
في المقابل، تسهم هذه الضربات في زيادة التوتر في أسواق الطاقة العالمية، وخصوصاً مع تزامنها مع أزمات دولية أخرى، ولا سيما الحرب في الشرق الأوسط ما يبقي الأسعار عرضة للتقلبات ويؤثر في معدلات التضخم.
دعوات أوكرانية لتكثيف الدعم
سياسياً، وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، نداءً جديداً إلى الشركاء لمواصلة الضغط على روسيا، وتسريع تقديم المساعدات العسكرية، في أعقاب الهجمات الأخيرة التي طالت مدناً أوكرانية وأسفرت عن سقوط ضحايا.
ودعا زيلينسكي إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي وتكثيف الدعم العسكري، مؤكداً أن استمرار الهجمات يتطلب تشديد الضغط على موسكو والإبقاء على العقوبات، مشيراً إلى وصول دفعات جديدة من الدعم، بينها طائرات مسيّرة من شركاء أوروبيين.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار الجمود السياسي بين موسكو وكييف، مع غياب أي مؤشرات على تقدم في مسار المفاوضات، مقابل تصاعد الاعتماد على الضربات الجوية كأحد أبرز أدوات الحرب المتبادلة.