لندن-سانا
حذّرت منظمة التجارة العالمية من التداعيات الخطيرة للصراع في الشرق الأوسط على مسار النمو الاقتصادي والتجاري العالمي، مؤكدة أن استمرار التوترات قد يؤدي إلى تباطؤ ملموس في حركة التجارة وتواصل ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، بما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الدولية نتيجة اضطرابات السفر والنقل.
تباطؤ متوقع في نمو التجارة العالمية
وفي تقرير حمل عنوان “آفاق التجارة العالمية والإحصاءات” نشرته صحيفة “الإندبندنت” اليوم الجمعة، توقعت المنظمة أن يتباطأ نمو تجارة السلع إلى 1.9 في المئة في 2026 مقارنة بـ4.6 في المئة في 2025 مع عودة التجارة إلى مستويات أكثر طبيعية، وذلك بعد طفرة في المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتسارع الواردات لتجنب الرسوم الجمركية.
كما توقعت المنظمة في تقريرها أن يتباطأ نمو تجارة الخدمات إلى 4.8 بالمئة في 2026 بعد أن كان 5.3 بالمئة في 2025 قبل أن يسجل تحسناً طفيفاً في العام التالي.
وبحسب التقديرات، سينمو إجمالي التجارة العالمية للسلع والخدمات بنسبة 2.7 بالمئة في 2026 مقارنة بـ4.7 بالمئة في العام السابق، بالتوازي مع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى 2.8 بالمئة خلال عامي 2026 و2027.
أسعار الطاقة والصراع… عامل حاسم
وأكد اقتصاديون في المنظمة أن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط قد يخفض نمو تجارة السلع بنحو 0.5 نقطة مئوية، في حين قد يسهم استمرار الطلب القوي على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعويض هذا التراجع.
وفي هذا السياق، حذّرت المديرة العامة للمنظمة نغوزي أوكونغو إيويالا من أن ارتفاع أسعار الطاقة يشكل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد العالمي، ويزيد من الأعباء على المستهلكين والشركات، إلى جانب تأثيره المباشر في الأمن الغذائي.
مضيق هرمز… نقطة اختناق عالمية
ولفت التقرير إلى أن تعطل ممرات حيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز بسبب الحرب في الشرق الأوسط، يهدد إمدادات الوقود والأسمدة عالمياً، إذ يمر عبره نحو ثلث صادرات الأسمدة، ما ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي في عدد من الدول.
وتعتمد اقتصادات زراعية كبرى مثل الهند وتايلاند والبرازيل على واردات الأسمدة من الخليج، الأمر الذي يزيد من مخاطر تراجع الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، في حين تواجه دول الخليج تحديات إضافية نتيجة اعتمادها الكبير على استيراد السلع الأساسية.
اضطرابات النقل والسفر تضغط على الخدمات
وبيّنت المنظمة أن حركة الملاحة سجّلت تراجعاً حاداً مع انخفاض عدد السفن العابرة في مضيق هرمز إلى مستويات شبه معدومة، إلى جانب إلغاء عشرات آلاف الرحلات الجوية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتعطيل سلاسل الإمداد.
إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية
وأوضحت التقديرات أن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تغييرات هيكلية في أنماط التجارة العالمية، مع تحول مسارات الشحن والطيران إلى بدائل أخرى، وارتفاع دائم في تكاليف الطاقة والنقل.
وفي المقابل، رجحت المنظمة أن تقود آسيا نمو التجارة في 2026 تليها إفريقيا وأميركا الجنوبية، بينما سيبقى النمو ضعيفاً في أوروبا وأميركا الشمالية، وخاصة في ظل اعتماد هذه المناطق على واردات الطاقة.
سيناريوهات مفتوحة بين التراجع والتعافي
ورأت المنظمة أن مسار الحرب سيبقى العامل الحاسم في تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي، مشيرة إلى إمكانية تحسن التوقعات في حال كان النزاع قصير الأمد واستمر الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، ما قد يرفع نمو تجارة السلع إلى 2.4 بالمئة في 2026.
وفي حال توازن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة مع نمو الطلب على التكنولوجيا، قد يبقى النمو قريباً من المستويات الأساسية، دون انزلاق كبير نحو التباطؤ.
وتؤكد هذه المعطيات أن الاقتصاد العالمي يقف أمام مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الجغرافيا السياسية مع التحولات التكنولوجية، ما يجعل من استقرار الشرق الأوسط عاملاً محورياً في رسم ملامح التجارة الدولية خلال السنوات المقبلة.