دمشق-سانا
شكلت الزيادات المتوالية على الرواتب والأجور منذ التحرير، خطوة استراتيجية محورية، هدفت إلى الارتقاء بالواقع المعيشي للعاملين في الدولة، بالتوازي مع صون استدامتها المالية، بمسار يعكس توجهاً حكومياً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء علاقة مستقرة ومتوازنة بين الموظف والمؤسسة، تضمن تلبية الاحتياجات المعيشية، وتحافظ في الوقت ذاته على القدرة المالية لمؤسسات الدولة السورية.
وفي هذا السياق، أكد المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر الاقتصادية مهند الزنبركجي في تصريح لـ سانا، اليوم الثلاثاء، أن زيادات الأجور التي بدأت بالمرسوم التشريعي رقم 102 لعام 2025 وتلاها المرسوم رقم 67 لعام 2026، جاءت لتقليص الفجوة الآخذة في الاتساع بين دخل المواطن ومتطلبات المعيشة، وذلك بعد سنوات طويلة من السياسات الاقتصادية للنظام البائد التي أفقدت الأجور قيمتها الفعلية، وقدرتها على تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.
التحولات بالأرقام: قفزة بنسبة 350 بالمئة
وشهدت منظومة الرواتب والأجور في سوريا تحولات متسارعة منذ عام 2025 وحتى الربع الأول من عام 2026، وذلك ضمن رؤية متكاملة لإعادة هيكلة الدخل، وذلك من خلال المرسوم رقم 102 لعام 2025 القاضي برفع الأجور بنسبة 200 بالمئة، والمرسوم رقم 67 لعام 2026 الذي أقر زيادة إضافية بنسبة 50 بالمئة، حيث انعكست هذه المراسيم بشكل مباشر على ديناميكية الحد الأدنى للأجور الذي قفز من نحو 279,000 ليرة قديمة (2,790 ليرة جديدة) في النصف الأول من عام 2025، ليصل إلى 750,000 ليرة قديمة (7,500 ليرة جديدة)، مواصلاً صعوده ليصل مؤخراً إلى 1,256,000 ليرة قديمة (12,560 ليرة جديدة)، محققاً بذلك قفزة إجمالية تقارب 350 بالمئة بالليرة السورية.
وأشار الزنبركجي إلى أن إيجابيات هذه الخطوة تكمن في تحريك عجلة الأسواق المحلية؛ حيث يسهم رفع الدخل في تعزيز القوة الشرائية للمواطن، ما يرفع معدلات الإنفاق، وينعكس إيجاباً على الحركة التجارية والنشاط الاقتصادي العام.
من جانبه، أوضح الخبير المالي والمصرفي الدكتور عبد الله قزاز، في تصريح مماثل، أن تحسن متوسط الأجر المقطوع يُعد مؤشراً حيوياً للاقتصاد السوري في ظل الظروف الراهنة، مبيناً أن الزيادة الأولى (200 بالمئة) استهدفت دعم العاملين وتحسين أوضاعهم مباشرة، في حين خُصصت الزيادة الثانية (50 بالمئة) للفئات التي لم تستفد من الزيادات النوعية، لمساعدتها على مجابهة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة.
بعد اقتصادي مهم للزيادات النوعية
بالتوازي مع الزيادات العامة، دخلت التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 68 لعام 2026 حيّز التنفيذ، حاملةً حزمة من الزيادات النوعية الاستراتيجية التي استهدفت قطاعات حيوية، شملت وزارات التعليم والتربية والصحة وجهاز الرقابة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش ومصرف سوريا المركزي وهيئة الطاقة الذرية، بهدف الحفاظ على الكفاءات وضمان كفاءة عمل المؤسسات العامة.
وأوضح الخبير الزنبركجي أن هذه الزيادات النوعية تنطوي على بُعد اقتصادي وتنموي عميق، إذ تركز على حماية الكوادر البشرية في القطاعات التعليمية، والصحية، والرقابية، والمصرفية، وتستهدف هذه الخطوة صون كفاءة مؤسسات الدولة، والحد من ظاهرة هجرة الكفاءات الوطنية، بما يدعم الاستقرار المؤسساتي، ويسرّع وتيرة إعادة البناء الاقتصادي.
كفاءة الأجر وضبط الأسواق
رغم أن موجات ارتفاع الأسعار لا تزال تشكل ضغطاً على قدرة الأجور في التغطية الشاملة لتكاليف المعيشة، الأمر الذي يتطلب تشديد الرقابة التموينية، إلا أن قراءة المقارنة بين عامي 2024 و2026 تظهر تحسناً واضحاً في “كفاءة الأجر”، حيث انتقل الراتب من كونه يغطي جزءاً ضئيلاً من الإنفاق الأساسي إلى القدرة على تغطية نسبة أكبر بكثير من سلة المستهلك المعيشية.
ولفت الخبير قزاز إلى أن الخطوات التي تمت للارتقاء بالواقع المعيشي للعاملين في الدولة، ستسهم في تخفيف الضغوط الاقتصادية عنهم، وتزيد من معدلات الطلب على السلع والخدمات، مما يشكل محفزاً قوياً للإنتاج المحلي.
تحديات الاستدامة: جدلية التمويل وضبط الاحتكار
رغم المؤشرات الإيجابية، يرى الخبيران أن هذا المسار لا يخلو من التحديات، حيث نبه الزنبركجي من أن رفع الأجور دون زيادة حقيقية في معدلات الإنتاج قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية جديدة على الأسعار، مؤكداً ضرورة ضبط الأسواق ومكافحة الاحتكار، لضمان عدم امتصاص هذه الزيادات من قبل بعض التجار وتحويل الدعم الموجه للمواطن إلى أرباح احتكارية.
من جهته، تطرق الدكتور قزاز إلى التحديات المالية التي تواجهها الحكومة لتمويل هذه الزيادات، ولا سيما ما يتعلق منها بالإيرادات العامة، في ظل خفض نسب الضرائب على الأعمال التجارية والصناعية لدعم القطاع الخاص، مؤكداً أن استدامة هذه الخطوات الإيجابية تعتمد بالدرجة الأولى على تحقيق الاستقرار الاقتصادي العام، وتحسين الموارد المالية للدولة.
ورغم هذه المخاطر، تبقى الزيادات الأخيرة خطوة مهمة وضرورية في ظل الظروف الحالية، لأنها أعادت جزءاً من الاعتبار للأجر الحقيقي بعد سنوات طويلة من التراجع، لكن نجاح هذه الخطوات لن يقاس فقط بنسبة الزيادة، بل بقدرة الاقتصاد على الحفاظ على قيمتها الفعلية، وفقاً للزنبركجي.