دمشق-سانا
دخلت الإدارة الجمركية في سوريا مرحلة هيكلية وتكنولوجية جديدة، عقب إصدار الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (109) لعام 2026 المتضمن قانون الجمارك الجديد الذي يمثل نقلة نوعية في إدارة المنافذ الحدودية، كونه يدمج بين الرقابة الصارمة وتسهيل حركة التجارة العالمية، عبر اعتماد تقنيات ذكية ومعايير دولية، وذلك بديلاً عن القانونين رقم /37/ و /38/ لعام 2006 وتعديلاتهما.
ملامح الهوية الجديدة والتعريفات القانونية
وضع القانون في بابه الأول الأسس اللغوية والقانونية للعمل الجمركي، حيث تضمن تعريفات دقيقة لكيانات حيوية، ومنح ”إدارة الجمارك العامة” استقلالاً مالياً وإدارياً، كشخصية اعتبارية ترتبط برئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، فيما حدد القانون مفاهيم “الحرم الجمركي” و”النطاق الجمركي” بنوعيه البري والبحري، ما يمنح السلطات الجمركية ولاية واضحة في ممارسة مهامها الرقابية على طول الخط الجمركي للدولة.
وأوضح معاون رئيس الهيئة العامة للمنافذ والجمارك خالد البراد في تصريح لـ سانا، أن قانون الجمارك الجديد جاء لمعالجة تراكمات طويلة في البنية التشريعية السابقة، حيث ألغى فصولاً كانت تشكّل منفذاً للتهرب، أبرزها فصل المستودعات، وإنهاء الازدواجية بين القانونين 37 و38 لعام 2006 التي فتحت ثغرات للفساد، وإلغاء نظام التحكيم الجمركي الذي كان يؤدي إلى تكدس البضائع وغياب العدالة في لجانه، ليقابلها تعزيز دور المحكمة الجمركية لتسريع البت في القضايا وضمان شفافية أكبر في الإجراءات وفق القانون الجديد.
تنظيم إداري يعزز الكفاءة والاحترافية
ويركز الباب الثاني من القانون على بناء كوادر بشرية مؤهلة، حيث نص ولأول مرة، على إحداث “أكاديمية للعلوم الجمركية” تتولى مهام تدريب وتأهيل العاملين، مع اشتراط خضوع المعينين الجدد لدورة تأهيلية لا تقل عن ثلاثة أشهر، إضافة إلى استحداث القانون لنظام تقييم سنوي شامل، يكون هو المعيار الأساسي للترقيات، والتعيين في المناصب القيادية مثل معاوني المدير العام ومديري الأقاليم.
ولفت البراد إلى إعادة هيكلة القطاع الجمركي عبر دمج الجمارك والمنافذ والموانئ في هيئة واحدة تتبع لرئاسة الجمهورية، ما أتاح اتخاذ قرارات موحدة وسريعة وخفض البيروقراطية التي كانت تعيق العمل، حيث أسهم هذا الدمج في تسريع تخليص الشحنات التجارية، وتطبيق معايير تقوم على السرعة والشفافية والبساطة.
حقوق وواجبات رجال الضابطة الجمركية
وأسبغ القانون في بابه الثالث صفة “الضابطة العدلية” على عاملي الجمارك في حدود اختصاصهم، ولضمان النزاهة ألزم جميع العاملين بأداء اليمين القانونية أمام لجنة رفيعة المستوى قبل مباشرة مهامهم، ومنح مزايا استثنائية لهم مقابل المسؤوليات الجسيمة، شملت التأمين الصحي الشامل، والعلاج المجاني في المشافي الحكومية والخاصة عند الضرورة، كما نص القانون على تكريم التضحيات الميدانية بمنح “وثيقة استشهاد” للعاملين الذين يقضون في مواجهة عمليات التهريب، مع ضمان حقوق ورثتهم.
مبادئ التعريفة الجمركية
وفيما حدد الباب الرابع من القانون نطاق عمل الدوائر الجمركية ليشمل المياه الإقليمية والأراضي والبحيرات والأقنية، أوضح الباب الخامس مبادئ تطبيق التعريفة الجمركية، حيث تخضع البضائع للرسوم والضرائب النافذة بتاريخ تسجيل بياناتها التفصيلية.
كما تضمن الباب الخامس موضوع إنشاء مجلس التعريفة الجمركية والذي هو عبارة عن لجنة متخصصة ترفع مقترحات فرض أو تعديل الرسوم بصكوك تشريعية، والرسوم التعويضية التي تعتبر إجراءات حمائية تفرض لمواجهة “الإغراق” أو في حال حصول البضائع الأجنبية على إعانات تصدير مباشرة في بلد المنشأ، إضافة إلى موضوع التعريفة التفضيلية وهي تطبيق رسوم مخفضة على الدول التي ترتبط مع سوريا باتفاقيات تجارية خاصة.
وأكد البراد أن التعريفة الجمركية تُدرس دورياً وفق احتياجات الإنتاج المحلي، مع تخفيض الرسوم على المواد الأولية الداعمة للصناعة ورفعها على السلع المستوردة التي لها بديل محلي، بما يحقق توازناً بين حماية الصناعة الوطنية وتوفير خيارات متنوعة للمستهلك.
التقييد والمنع والعناصر المميزة للبضائع
وتناول الباب السادس قواعد دخول السفن والطائرات ووسائط النقل، حيث حظر القانون رسو السفن في غير المرافئ المعدة لذلك، إلا في حالات القوة القاهرة، كما حدد الباب السابع القواعد الخاصة بمنشأ البضاعة ومصدرها ونوعها، مشدداً على ضرورة إرفاق “بيان حمولة” (مانيفيست) ووصف شامل لكل شحنة لضمان الشفافية.
الثورة الرقمية وتسهيل التجارة
ويعتبر هذا الموضوع جوهر التحديث في القانون، حيث تبنى صراحة مبادئ “التبسيط والعلنية”، ونصت المادة السادسة من القانون على التحول الكامل نحو بيئة إلكترونية غير ورقية تشمل قبول البيانات الجمركية والمستندات إلكترونياً، وتطبيق نظام “المعاينة الانتقائية” المبني على إدارة المخاطر بدلاً من التفتيش العشوائي، واعتماد نظام التدقيق اللاحق بعد الإفراج عن البضائع لتسريع الحركة التجارية، وتوفير طرق دفع مرنة عبر حسابات الائتمان والضمانات المصرفية.
توازن بين السيادة والاقتصاد
ويؤكد القانون الجديد من خلال مواده الـ (109) أن الجمارك السورية لم تعد مجرد جهة جابية للرسوم، بل شريك استراتيجي في الدفاع عن حدود الوطن وضبط النظام العام، وذلك من خلال إلزام السلطات المدنية والعسكرية بتقديم المؤازرة لرجال الجمارك، بما يحقق تكامل الأدوار لحماية الاقتصاد الوطني من مخاطر التهريب والمخالفات الجمركية.