دمشق-سانا
يشكل ملف “المستورد الوهمي” أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسواق السورية في المرحلة الحالية، لما يسببه من استنزاف للقطع الأجنبي، وإرباك لحركة الاستيراد، وزيادة الضغوط على سعر الصرف والأسعار، ما دفع الجهات المعنية إلى البحث عن أدوات رقابية أكثر فاعلية.
التهرب الضريبي
أوضح الخبير الاقتصادي والمصرفي إبراهيم نافع قوشجي، في تصريح لـ سانا، أن ظاهرة ”المستورد الوهمي” تعد من أبرز أشكال التهرب الضريبي في قطاع الاستيراد، مبيناً أنها تقوم على استخدام أشخاص أو شركات صغيرة كواجهات شكلية لتنفيذ عمليات استيراد لمصلحة مستوردين كبار، بهدف التهرب من الالتزامات الضريبية وإخفاء الأرباح الحقيقية.
وأشار إلى أن هذه الظاهرة تعتمد على تقديم فواتير منخفضة القيمة لتقليل الرسوم الجمركية والضرائب، ثم تحويل الأرباح خارج النظام الضريبي قبل إغلاق السجل التجاري بعد تنفيذ عمليات استيراد عدة، ما يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة للخزينة العامة وإضعاف المنافسة في الأسواق.
وبين قوشجي أن السلفة الضريبية تسهم في تضييق مساحة التهرب عبر ربط الضريبة مباشرة بعملية الاستيراد، وتحسين مستوى التنسيق بين الجمارك والإدارة الضريبية، إلا أن نجاحها الكامل يتطلب تطوير نظام الفوترة الإلكترونية، وتعزيز الرقابة اللاحقة، وربط الجمارك والضرائب والمصارف ضمن منظومة إلكترونية متكاملة.
سلفة ضريبية
من جانبه، رأى الخبير الاقتصادي محمد كوسا، في تصريح مماثل، أن الموازنة بين مكافحة ”المستورد الوهمي” ودعم التجارة الشرعية تمثل التحدي الحقيقي أمام الحكومة، مؤكداً أن أي إجراءات لمكافحة الفساد يجب ألا تؤدي إلى خنق القطاع الخاص أو إحداث صدمات في الأسواق.
وأوضح أن فرض سلفة ضريبية من قبل وزارة المالية بنسبة 2% يعد إجراء صحيحاً من حيث المبدأ لمكافحة المستوردين الوهميين، لكنه لا يشكل حلاً كاملاً، لافتاً إلى أن نجاح هذا الإجراء يرتبط بآليات التطبيق وتحقيق التوازن بين الرقابة واستمرار انسياب حركة التجارة.
وأشار كوسا إلى أهمية تصنيف المستوردين وفق سجلهم التجاري وتاريخهم المهني، بما يتيح التمييز بين الشركات الموثوقة والجهات ذات الخطورة العالية، موضحاً أن المستورد الذي يمتلك سجلاً موثوقاً يجب أن يستفيد من إجراءات مبسطة وفحص جمركي سريع، بينما تخضع الجهات مرتفعة الخطورة لرقابة وضمانات مالية مشددة.
وأضاف: إن التدقيق في الفواتير والتحويلات المالية بعد دخول البضائع إلى الأسواق أكثر جدوى من تعطيلها عند المنافذ الجمركية، مبيناً أن العديد من الدول اتجهت إلى رقمنة المنظومة الجمركية وربطها إلكترونياً مع المصارف وهيئات الضرائب، بما يسهم في الحد من التلاعب وتسريع التخليص الجمركي.
وشدد كوسا على ضرورة التدرج في تطبيق أي إجراءات جديدة، ومنح التجار فترة انتقالية للتكيف معها، مع إعطاء أولوية للمواد الأساسية والغذائية والمواد الأولية في عمليات التخليص الجمركي، إضافة إلى تسهيل استرداد السلف والضرائب للمستوردين الملتزمين.
استنزاف القطع الأجنبي
واتفق الخبيران على أن ظاهرة “المستورد الوهمي” تؤدي إلى استنزاف القطع الأجنبي، وزيادة الضغوط على سعر صرف الليرة، وارتفاع الأسعار، ما يستدعي تعزيز أدوات الرقابة المالية والجمركية لضمان وصول المستوردات الفعلية إلى الأسواق السورية.
وكان وزير المالية محمد يسر برنية قد أصدر، بالتنسيق مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، في الـ 24 من آذار الماضي، قرارين يقضيان باستيفاء سلفة ضريبية من المستوردين بنسبة 2% من قيمة الفاتورة، وإلزامهم بالحصول مسبقاً على براءة ذمة مالية، مع منح فترة سماح لتسهيل الإجراءات ومنع تعطيل أعمالهم.