دمشق-سانا
احتضنت المدينة الجامعية في المزة بدمشق اليوم الأربعاء محاضرة فكرية جرت خلالها مناقشة أسئلة الثقافة ودور المثقف في مرحلة إعادة بناء المجتمع السوري، ودور الشباب كفاعلين في صناعة الوعي، لا مجرد متلقين للمعرفة، وسط حضور طلابي وأكاديمي.
المحاضرة التي حملت عنوان “مسؤولية الشباب المثقف في سوريا الجديدة”، قدمها الدكتور ياسين عبد الله جمّول ضمن أولى فعاليات “الصالون الثقافي”، وركزت على دور الثقافة بوصفها أداة للتغيير المجتمعي والإنساني، تتجاوز حدود التنظير إلى الفعل والتأثير.
استعادة ثقة المجتمع بالمثقف

وتحدث الدكتور جمّول عن التحولات التي تعيشها سوريا في مرحلة التعافي وإعادة البناء، مؤكداً أن رأس المال الحقيقي لأي مجتمع يتمثل في شبابه، ولا سيما الشباب الجامعي القادر على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والوعي الثقافي.
وطُرحت خلال المحاضرة مجموعة من الأسئلة المتعلقة بمفهوم الثقافة وتعريف المثقف، حيث أشار جمّول إلى تعدد تعريفات الثقافة وتعقيدها، مستشهداً بكتاب “مشكلة الثقافة” للمفكر مالك بن نبي، الذي تناول أزمة المثقف وانعزاله عن المجتمع.
وبيّن أن الانتقال من صفة “المتعلم” إلى طالمثقف” لا يتحقق عبر جمع المعارف والاقتباسات فقط، بل من خلال الاندماج بالواقع والقدرة على التأثير فيه، مؤكداً أن أي معرفة لا تنعكس على المجتمع تبقى ناقصة الأثر.
كما تم تناول أنماط المثقفين، بين المثقف المنعزل أو الشعبوي أو الموظف، والمثقف الواعي الملتزم بقضايا مجتمعه والقادر على إحداث أثر إيجابي حقيقي.
وتطرقت المناقشات إلى صورة المثقف في أذهان الناس خلال فترة النظام البائد، حيث رأى جمّول أن بعض الممارسات والانقسامات السياسية والثقافية أسهمت في تراجع ثقة الجمهور بالمثقفين.

وأكد أن استعادة هذه الثقة تتطلب حضوراً مجتمعياً حقيقياً، والابتعاد عن التعالي أو اللغة النخبوية، والتفاعل المباشر مع قضايا الناس اليومية، إضافة إلى تبسيط الخطاب الثقافي والاقتراب من الشرائح الهشة في المجتمع.
صالون للحوار الشبابي
وشهدت المحاضرة مداخلات من طلاب جامعيين وأكاديميين تناولت أهمية دور الشباب الواعي في التأثير بالمجتمع، وضرورة الجمع بين التخصص العلمي والثقافة العامة، إلى جانب مناقشة مسؤولية المثقف في مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية.
كما جرى التوقف عند عدد من الكتب الفكرية التي ناقشت أزمة النخب والثقافة، ومنها “مسؤولية المثقف”، وطأوهام النخبة”، و”العادات السبع للناس الأكثر فعالية”، بوصفها نماذج تساعد في بناء وعي نقدي وفهم أعمق للعلاقة بين الفكر والمجتمع.
الثقافة خارج النخبوية
وأوضح جمّول في تصريح لـ سانا الثقافية أن الهدف من المحاضرة هو إعادة ترتيب أولويات العمل الثقافي لدى الشباب، مشيراً إلى أن الحماس وحده لا يكفي ما لم يقترن بالوعي والفهم العميق للواقع.
وقال: “إن المثقف لا يمكن أن يكون بوقاً للسلطة، بل ينبغي أن يؤدي دوراً نقدياً وتوجيهياً، ينقل المجتمع من حالة التلقي إلى حالة الفاعلية، ويخاطب الجمهور بلغة تحفزه على المشاركة والتأثير”.
وأضاف: إن البوصلة الحقيقية للمثقف يجب أن تكون الحقيقة والصواب بعيداً عن المصالح الشخصية أو التطبيل لأي جهة، لافتاً إلى أن إعمار الإنسان بثقافته وعلمه يسبق إعمار الحجر.

من جانبه، أوضح مدير ثقافة دمشق شريف رجب في تصريح لـ سانا الثقافية أن الفعالية تأتي ضمن خطة ثقافية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز مبدأ “العدالة الثقافية”، وإيصال الأنشطة الفكرية إلى مختلف الشرائح، عبر تفعيل الندوات والمحاضرات والصالونات الثقافية داخل الجامعات والمراكز الثقافية.
وأضاف رجب: إن “صالون المدينة الجامعية” يشكل مساحة للحوار والتفاعل الفكري، ويمنح الطلاب فرصة للتعبير عن مواهبهم وأفكارهم وتطوير أدواتهم الثقافية والمعرفية.
واختُتمت المحاضرة بالتأكيد على أن بناء سوريا الجديدة لا يقتصر على إعادة الإعمار المادي، بل يبدأ من بناء الإنسان الواعي القادر على التفكير والمشاركة وصناعة التغيير، وهو الدور الذي يعول فيه كثيراً على الشباب الجامعي والمثقف.
الدكتور ياسين عبد الله جمّول أكاديمي وباحث ومحقق سوري في اللغة العربية وآدابها من مدينة القصير بحمص، نال الماجستير والدكتوراه من جامعة دمشق في الأدب الجاهلي، انتقل إلى تركيا إثر تهجير النظام البائد لأبناء ريف حمص، حيث أدار مشاريع وجمعيات تعليمية للأطفال اللاجئين،
وينشط في تحقيق التراث العربي لصالح دور نشر عدة، وهو زميل باحث بمركز الحوار السوري وعضو سابق بالمجلس الوطني السوري، تتركز نتاجاته حول قضايا التعليم والهوية، وله مقالات رأي دورية في مواقع ومنصات عربية.



