دمشق-سانا
تقدّم جدارية الفنان بشير بشير “دورة الحياة” وهي إحدى لوحات معرضه المقام حالياً بمتحف دمشق الوطني عملاً فنياً مركباً يجمع بين التشكيل والخط والرمز، وتستحضر عبر بنائها البصري مساراً طويلاً من تاريخ الإنسان والمنطقة، من لحظات الصراع والدمار إلى مشاهد الخصب والتجدد والسلام.
في هذا العمل، لا تبدو اللوحة كبيرة الحجم مجرد مساحة لونية واسعة، بل سردية بصرية تتحرك فيها الأشكال والإشارات والحروف لتمنح المتلقي تجربة تأملية مفتوحة على التاريخ والهوية والذاكرة.
ويرى الفنان التشكيلي والخطاط عبد السلام النجار في حديث لـ سانا الثقافية أن هذه الجدارية تمثل عملاً لافتاً في مسار الفن التشكيلي السوري المعاصر، لما تتضمنه من تنوع لوني غني بالدلالات، وتشكيلات مدروسة بعناية، تجعل منها وثيقة بصرية تعبّر عن التراث السوري العريق وتفاعله مع التحديات الإنسانية.
ويؤكد النجار أن قيمة العمل لا تكمن في حجمه فحسب، بل في قدرته على الربط بين تاريخ الخط العربي ودورات الوجود الإنساني الكاملة، ضمن صياغة فنية تجمع بين الحس الجمالي والبعد الفكري.
الخط العربي من النقش الأول إلى الحرف المعاصر
وتتسع الجدارية، وفق قراءة النجار، لتمثيل مراحل تاريخية مترابطة في حياة البشرية والمنطقة العربية، بدءاً من الحروب والنزاعات الدموية التي عرفتها العصور، مروراً بمراحل الخصب والازدهار الاقتصادي والثقافي، وصولاً إلى لحظات السكينة والسلام، وفي هذا المسار، ترتبط اللوحة أيضاً بالتطور التاريخي للخط العربي، من الرسوم الحجرية البدائية، وصولاً إلى الحروف المعاصرة، لتجسد دورة حياة إنسانية كاملة، بما تحمله من صراع وانتصار وتجدد.
ويشير النجار إلى أن العمل يعتمد على تقنية الألوان الزيتية اللامعة التي تمنحه تأثيراً بصرياً قوياً، تقابلها ألوان باهتة وُضعت في أماكنها بعناية لتعزيز الأثر النفسي.
كما يبرز اللون الأحمر بوصفه اللون الأكثر حضوراً، بما يحمله من دلالات الحرب والدموية، في حين اللون الأخضر يحقق توازناً يرمز إلى الخصب والحيوية، وتمنح المساحات البيضاء معنى يرتبط بالعطاء والسكينة والسلام.
فوضى مضبوطة وهوية تقاوم الغياب
ويصف النجار بنية الجدارية بأنها أقرب إلى وثيقة حية متعددة الطبقات، تتجاور فيها عناصر التاريخ والاجتماع والسياسة ضمن ما يشبه “فوضى مضبوطة” حيث تتداخل الفضاءات والأشكال من دون أن تفقد انسجامها الداخلي، وهنا، يدفع العمل المتلقي إلى التمعن في طبقاته البصرية والرمزية، بوصفه رؤية فكرية تعيد قراءة التاريخ من خلال الفن.
ويضيف: إن الحجم الكبير للجدارية لا يأتي بوصفه عنصراً شكلياً، بل يخدم الفكرة الأساسية ويعزز حضورها البصري، بما يجعل المتلقي في مواجهة مباشرة مع العمل ومع الأسئلة التي يثيرها، ومن هذا المنطلق، يرى النجار في الجدارية دعوة إلى التمسك بالهوية العربية والتشكيلية وسط الظروف الصعبة، ونموذجاً لدور الفن في تعزيز الوعي الوطني والإنساني.
وفي ختام قراءته، يؤكد النجار أن جدارية بشير بشير تمثل محطة بارزة في الفن التشكيلي السوري المعاصر، لأنها تنجح في بناء جسر حي بين الخط العربي بوصفه تراثاً بصرياً عريقاً، وبين التعبير التشكيلي الحديث بوصفه أداة لقراءة الإنسان وتاريخه وتحولاته.
وتُعد جداريات الفنان بشير بشير جزءاً جوهرياً من تجربته الفنية المعاصرة حيث تتميز بقدرتها على الدمج بين الأصالة التراثية والحداثة التشكيلية، ويركز فيها على تقديم رؤية بصرية متكاملة بهدف إيصال فكرة مترابطة للمتلقي.