دمشق-سانا
غاب الفنان التشكيلي والنحات والروائي السوري أيمن ناصر، تاركاً خلفه سيرة إبداعية متعدّدة المسارات، جمعت بين التشكيل والنحت والسرد، وبين الفعل الثقافي والموقف الإنساني المنحاز لحرية السوريين وكرامتهم.
رحل ناصر في الـ17 من أيلول عام 2024 في مدينة أورفا التركية، بعد صراع مع المرض، قبل أن يكحل عينيه بسقوط نظام الأسد، الحلم الذي آمن به وانحاز إليه منذ الأيام الأولى للثورة السورية، ودفع ثمنه غربةً وألماً ومنفىً، لكنه لم يدفعه يوماً للتخلي عن دوره الثقافي أو صوته الإبداعي.
من الفرات إلى المشهد الثقافي السوري
وُلد أيمن ناصر عام 1958 في قرية المريبط بريف الرقة، ونشأ على ضفاف الفرات التي ظلّت تسكن وجدانه وأعماله، كما كان يردد دائماً: “لأن الرقة تعيش في وجداني منذ الطفولة، لا أتخيل نفسي أعيش في أي مكان آخر بنفس الحميمية التي كنت أعيش فيها”.
انتسب إلى نقابة الفنون الجميلة في سوريا عام 1981، وتولّى رئاسة مجلس فرع اتحاد الفنانين التشكيليين في الرقة، وكان من الأسماء المؤسسة للحراك الفني في المدينة.
مسيرة فنية وتعليمية حافلة
عمل الراحل مدرساً للفنون لمدة تجاوزت ثلاثة عقود، ودرّس مادة النحت في معهد إعداد المدرسين بين عامي 1992 و2005، كما درّس في مركز الفنون التشكيلية منذ عام 1978 حتى 2003.
شارك في معارض فنية فردية وجماعية داخل سوريا وخارجها، وأنجز عدداً من المنحوتات والأعمال التشكيلية، من بينها أعمال لافتة مثل: سقط قلبي سهواً، ورمضان شلاش، إضافة إلى تمثال هارون الرشيد.
حين يتحول الفن إلى أدب
إلى جانب تجربته التشكيلية، كتب أيمن ناصر القصة والرواية، واشتغل على القضايا الإنسانية والاجتماعية بلغة عالية الحساسية، حيث صدرت له روايتا اللحاف وروجين، إضافة إلى المجموعة القصصية رهان الغيم، ونال جائزة ابن قرة الحرّاني للقصة القصيرة عام 2008، وكتب عنه نقاد كُثُر أشادوا بفرادته وقدرته على النحت بالكلمات كما ينحت بالحجر.
قراءات نقدية
يقول الكاتب عيسى الشيخ حسن: “حين صدرت رواية اللحاف سارعت باقتنائها، وفوجئت مرّتين: الأولى، بمكان من أمكنة الرواية، منطقة الغمر، أو غربي الرقّة، الحوائج، وهو يأتي على أسماء القرى: مريبط والحويش، وأسماء شخصيات أكاد أقبض عليها، فرأيتني أتشارك معه تلك الذكريات، ومرّة أخرى وهو يسلك طريقاً في الرواية يراهن فيه على التحليق في اللغة”.
واعتبر الشيخ أن أيمن ناصر كتب رواية الغربة والموت والذاكرة بوعي إنساني عميق، جعل من التجربة الشخصية مرآةً لوجعٍ عربيّ أوسع.
صديق الغربة وراعي الحلم الثقافي
من جهتها، استحضرت الشاعرة لميس الرحبي صورة أيمن ناصر في المنفى بتركيا، بوصفه صديقاً يشبه الوطن، ومؤسساً حقيقياً لملتقى الأدباء في ولاية أورفا، ذلك الفضاء الثقافي الذي جمع شتات المبدعين السوريين، ومنحهم فسحة أمل وسط قسوة اللجوء.
وتجد الرحبي أن رحيل ناصر لم يكن فقدان شخص، بل غياب ضوءٍ عن المشهد الثقافي السوري في المنفى.
رحيل الجسد وبقاء الأثر
بدوره، اعتبر رئيس تحرير مجلة أوتاد الثقافية الأستاذ أحمد مونة أن رحيل أيمن ناصر هو أفول نجم إبداعي لا يُعوّض، فهو لم يكن مبدعاً فقط، بل بوصلة فكرية وملاذ إنساني، يكتب ليكشف جمال الواقع المخفي، ويمنح الألم معنىً آخر.
وجه ثقافي سوري أصيل
الكاتب عبد الحافظ كلش وصف أيمن ناصر بأنه شخصية ثقافية جامعة، قادرة على بناء جسور إنسانية ومعرفية منذ اللقاء الأول، مشيراً إلى دوره المحوري في إدارة وتنشيط الملتقى الأدبي في أورفا، الذي تحوّل بفضل جهده إلى واحة ثقافية حيّة، تضرب مثالاً في التنظيم والاستمرارية.
تجربة أدبية في سياق الثقافة السورية المعاصرة
تمثل تجربة أيمن ناصر نموذجاً للمثقف الذي حمل همّ المكان والإنسان، وواصل فعله الإبداعي في الداخل والمنفى، مساهماً في نقل الذاكرة السورية إلى فضاءات أوسع، وشكّل منجزه الفني والأدبي مادة مفتوحة للبحث والدراسة ضمن سياق التحولات الثقافية السورية المعاصرة، بما يحمله من دلالات فنية وإنسانية ووطنية.